احتجاج موزعي الغاز: بين مطالب مهنية ومخاوف اضطراب السوق

قرار بعض موزعي الغاز توقيف نشاطهم لمدة 48 ساعة، مع إمكانية التمديد، يضع قطاعًا حيويًا في دائرة التساؤل، دون أن يمنح إجابة جاهزة: هل نحن أمام أزمة حقيقية، أم مجرد ضغط مهني ظرفي؟
من جهة، يبرر الموزعون هذه الخطوة بارتفاع تكاليف التوزيع وضعف هامش الربح، معتبرين أن استمرارهم في نفس الظروف لم يعد ممكنًا. لكن من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن هذا النوع من الاحتجاجات يضع المواطن في قلب المعادلة، باعتباره المتضرر الأول من أي اضطراب في التزود، حتى لو كان مؤقتًا.
اللافت في هذه الخطوة هو أنها تحاول الجمع بين الضغط والاحتياط؛ إذ تقرر إبقاء المستودعات مفتوحة لتمكين المواطنين والمهنيين من اقتناء قنينات الغاز مباشرة. غير أن هذا الإجراء، رغم أهميته، لا يلغي احتمال حدوث ارتباك في السوق، خاصة إذا تزايد الإقبال بشكل مفاجئ أو امتد التوقف لفترة أطول.
في العمق، تكشف هذه الواقعة عن خلل في توازن العلاقة بين مختلف الفاعلين في القطاع. فالموزعون يشتكون من ضعف العائد، بينما تعتمد الدولة سياسة تهدف إلى الحفاظ على استقرار الأسعار، وهو ما يضع الطرفين في موقع شدّ وجذب مستمر. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى شفافية المعطيات المرتبطة بالكلفة الحقيقية للتوزيع وهوامش الربح الفعلية.
هل نحن إذن أمام أزمة غاز؟ في الوقت الراهن، لا يبدو أن هناك نقصًا فعليًا في المادة، بل إن الإشكال يهم جانب التوزيع أكثر من التموين. لكن استمرار هذا الوضع دون حلول قد يحول التوتر المهني إلى اضطراب ميداني، خاصة إذا تكررت مثل هذه التوقفات أو فقدت طابعها المؤقت.
بعبارة أخرى، ما يحدث اليوم ليس أزمة قائمة بقدر ما هو اختبار لقدرة الأطراف المعنية على إدارة الخلافات دون الإضرار بالسوق. فإما أن يقود الحوار إلى حلول توازن بين المصالح، أو يتحول الاحتجاج إلى مقدمة لاختلال أوسع، ستكون كلفته مشتركة بين الجميع.




