من ينتقد الإقصاء وهو يعيد إنتاجه: قراءة نقدية في خطاب أحمد عصيد

يقدّم الكاتب والناشط أحمد عصيد نفسه كصوت ضد الإقصاء الهوياتي في المغرب، منتقدًا اختزال هوية البلاد في “العروبة والإسلام” وتغييب مكونات أخرى كالأمازيغية والمكون اليهودي والامتداد الإفريقي. لكن قراءة متأنية لتصريحاته الأخيرة تكشف أن الخطاب نفسه يعيد إنتاج بنية الإقصاء التي يزعم مناهضتها، فقط بترتيب معكوس — إضافة إلى اتهام فضفاض يطال فئة مهنية بأكملها دون مطلب واضح منها.
“العنصر الأصيل” مقابل العناصر “المتحركة”: إقصاء بصيغة أخرى
يصف عصيد الأمازيغية بأنها “العنصر الأصيل المرتبط بالأرض”، وأن هذا العنصر هو من “قام بالتوليف” بين “عناصر حضارية كثيرة تحركت في هذه الرقعة الجغرافية” ومنحها “الطابع الخصوصي”. هذه الصياغة، وإن بدت وصفًا تاريخيًا محايدًا، تحمل في جوهرها تراتبية هوياتية: هناك “أصيل” واحد، وهناك “وافدون” و”عابرون” يُشكَّلون من طرف ذلك الأصيل. المكون العربي الإسلامي، بل وأي مكون آخر ساهم في تاريخ المغرب، يوضع ضمنيًا في خانة “المتحرك” العابر لا “الأصيل” المستقر.
هذه بالضبط هي آلية الإقصاء التي ينتقدها عصيد حين تُمارَس ضد الأمازيغية: تصنيف مكوّن بشري كامل كعنصر ثانوي أو طارئ مقارنة بمكوّن آخر يُمنح صفة “الأصالة” الحصرية. حين يُعاد إنتاج نفس المنطق، بغض النظر عن اتجاهه، فإنه لا يصحح الإقصاء بل يستبدل ضحيته.
القومية العربية و”الإخوان” والسلفية الوهابية: تجانس تاريخي غير دقيق
يضع عصيد ثلاث ظواهر في سلة واحدة باعتبارها “إيديولوجيات أجنبية”: القومية العربية (منذ 1930)، جماعة الإخوان المسلمين، والسلفية الوهابية. المشكلة أن هذا التجانس يتجاهل فارقًا تاريخيًا جوهريًا: القومية العربية في حقبة الثلاثينيات والأربعينيات كانت جزءًا من خطاب مقاومة الاستعمار الفرنسي، واستُعملت من الحركة الوطنية المغربية ذاتها — أي رموز وطنية مغربية شاركت في صياغة تلك المرجعية، لا أنها “استُوردت” بمعزل عن الفاعلين المحليين. معاملتها بنفس منطق التعامل مع تيارات دينية عابرة للحدود ظهرت لاحقًا بعقود (كالإخوان والسلفية الوهابية) يُسطّح فارقًا تاريخيًا حقيقيًا لصالح تصنيف تعبوي مريح.
ما علاقة أساتذة اللغة العربية بكل هذا؟ وماذا يريد منهم عصيد بالضبط؟
هنا تكمن أكثر نقطة إشكالية في الخطاب: عصيد يُصدر حكمًا يشمل عمليًا الجسم المهني بأكمله — “99 في المائة إن لم تكن 100 في المائة” من أساتذة اللغة العربية — بأن “مرجعيتهم” قومية عربية، دون أن يقدّم أي منهجية أو دراسة أو مصدر لهذا الرقم. نسبة بهذا الإطلاق (شبه إجماع كامل) تحتاج دليلًا إحصائيًا حقيقيًا، لا انطباعًا شخصيًا معممًا على آلاف الأساتذة عبر ربوع المغرب.
والأخطر من غياب الدليل هو غياب أي مطلب عملي واضح: ماذا يريد عصيد أن يفعله هؤلاء الأساتذة تحديدًا؟
هل يريدهم أن يُدرِّسوا اللغة العربية بطريقة مختلفة؟ وكيف تحديدًا؟
هل المشكلة في محتوى المنهاج الذي لا يضعونه هم أصلاً (بل تضعه الوزارة ومراكز التقويم والامتحانات)؟
إذا كانت أسئلة البكالوريا “غريبة” و”لا تبالي بالدستور” كما يقول، أليست هذه مسؤولية اللجان الوزارية المشرفة على وضع الامتحانات، لا الأستاذ الذي يُدرّس داخل الفصل وفق منهاج مفروض عليه؟
تحميل فئة مهنية كاملة وزر خيارات تربوية ومؤسساتية لا تملك هي سلطة اتخاذها، دون تحديد مطلب بديل واضح، يحوّل النقد من نقد بنيوي للسياسات التعليمية إلى نوع من التوجس الجماعي تجاه مهنة بأكملها — وهو بالضبط النوع من الخطاب الذي يغذي الاستقطاب الهوياتي بدل أن يعالجه.
الدعوة إلى إنصاف الأمازيغية ومكونات الهوية المغربية المتعددة مطلب مشروع تمامًا، ويستحق نقاشًا جادًا. لكن هذا المطلب لا يُخدَم حين يُبنى على:
تراتبية هوياتية معكوسة تمنح مكونًا واحدًا صفة “الأصالة” الحصرية
تسطيح فوارق تاريخية جوهرية بين ظواهر إيديولوجية مختلفة كليًا في جذورها وسياقاتها
اتهام جماعي لفئة مهنية بأرقام غير موثقة ومطالب غامضة لا تحدد من المسؤول فعلاً عن القرار التربوي
النقد الذي يعيد إنتاج المنطق الذي يزعم محاربته لا يقوّي قضية التنوع، بل يغذي منطق الإقصاء




