السميك أشعلها.. بن كيران وشباط والحمامة فوق حلبة واحدة!

يبدو أن المواطن المغربي كان يحتاج فقط إلى ملف واحد اسمه «السميك» حتى تتحول الساحة السياسية إلى ما يشبه حلبة مفتوحة، كل واحد يدخل إليها حاملاً معه تصريحاً أشد سخونة من سابقه، فيما المواطن يجلس في الصفوف الأمامية يتفرج، لا لأنه يملك تذكرة، ولكن لأنه لا يملك خياراً آخر. فبدل أن تنشغل الأحزاب فقط بكيفية إقناع المغاربة ببرامجها، بدأت التصريحات تتطاير من كل الاتجاهات، وبات من الصعب على المواطن أن يعرف هل نحن أمام نقاش حول الأجور، أم أمام موسم جديد من الكوميديا السياسية.
عبد الإله بن كيران، وكعادته، لم يفوّت الفرصة، ودخل على خط حميد شباط بكلام أعاد الرجل إلى واجهة النقاش، مذكّراً إياه بسنوات وجوده خارج المغرب، وموجهاً إليه سؤالاً من العيار الثقيل: لماذا هربت من المغرب؟ وهنا طبعاً المواطن المغربي لا يحتاج إلى كثير من الشرح، فهو يعرف أن العلاقة بين بن كيران وشباط ليست من نوع العلاقات التي تنتهي بكلمة «شكراً على التوضيح»، بل هي علاقة سياسية كلما ظن الناس أنها هدأت، خرجت منها شرارة جديدة.
لكن يبدو أن بن كيران وشباط لم يكونا وحدهما في هذه الحفلة، لأن «الحمامة» قررت هي الأخرى أن تحجز لنفسها مقعداً في الصف الأول، خصوصاً بعدما دخل فوزي لقجع على خط الحديث عن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، وهو التصريح الذي وجد من يرد عليه بلغة سياسية ساخرة، وصلت إلى حد الحديث عن إهانة المؤسسات، بل وحتى عن «مشية الحمامة» التي، حسب التصريح المتداول، لا يستطيع أي أحد تقليدها دون أن يسقط عند أول منعرج.
وهنا أصبح المواطن أمام معضلة حقيقية: هل يتابع النقاش حول 5000 درهم، أم يتابع من سيقلد مشية الحمامة دون أن يسقط؟ وهل المطلوب منه أن يحسب راتبه، أم أن يحسب عدد المرات التي سمع فيها وعوداً انتخابية حول تحسين دخله؟ لقد أصبحت السياسة في بعض لحظاتها أشبه بمسابقة في فنون الكلام، وكلما ارتفعت حرارة التصريحات، ازداد المواطن حيرة: واش غادي نعيشو بـ5000 درهم ولا غادي نبقاو غير نسمعو عليهم؟
المشكلة أن المواطن البسيط لا يعيش داخل البرامج الانتخابية، وإنما يعيش داخل فاتورة الكراء، وفاتورة الكهرباء، وثمن المواد الغذائية، ومصاريف النقل والعلاج والدراسة. حارس الأمن الخاص الذي يقضي ساعات طويلة في عمله لا يحتاج إلى خطبة سياسية طويلة، وإنما يحتاج إلى راتب يحترم مجهوده وحقوقه. وعاملة النظافة التي تستيقظ باكراً وتعمل في ظروف صعبة لا يهمها كثيراً من فاز في الجولة الكلامية بين هذا الحزب وذاك، بقدر ما يهمها أن تجد في نهاية الشهر أجراً يكفيها ويصون كرامتها.
ولهذا فإن الحديث عن رفع السميك إلى 5000 درهم لا يمكن أن يكون مجرد ورقة انتخابية تُرفع في وجه الخصوم، ولا مجرد رقم جميل يصلح للعناوين. المواطن يريد أن يعرف كيف سيصل هذا الرقم إليه، ومتى، ومن سيتحمل تكلفته، وهل ستتم حماية العامل فعلاً من الاستغلال، أم أن 5000 درهم ستبقى رقماً يعيش حياة سياسية مستقلة عن حياة المواطن؟
أما الأحزاب، فيبدو أنها دخلت مرحلة جديدة من المنافسة: حزب يقول «سنرفع السميك»، وآخر يرد «أنتم تبيعون الوهم»، وثالث يخرج ليتحدث عن المؤسسات، ورابع ربما يستعد غداً للرد على الجميع. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الوحيد الذي لا يستطيع الرد بتصريح ناري، لأنه إذا غضب من الأسعار لا توجد له منصة انتخابية، وإذا غضب من الأجور لا توجد أمامه كاميرا، وإذا ضاق من الوضع المعيشي لا يستطيع أن يقول: «سأعود إليكم في الندوة الصحفية المقبلة».
والحقيقة أن المواطن المغربي ربما أصبح يحتاج إلى برنامج انتخابي جديد عنوانه «برنامج الضحك على الهموم»، لأن السياسيين يوفرون له المادة مجاناً. بن كيران يسأل شباط لماذا غادر، وشباط حاضر في ذاكرة المغاربة، ولقجع يطرح 5000 درهم، وخصومه يردون، والحمامة تدخل في نقاش حول المشية والمنعرجات، بينما العامل المسكين ينظر إلى كل ذلك ويقول: «الله يجعل هاد المنعرج السياسي ما يكونش بحال المنعرج ديال الأسعار».
ومع اقتراب الانتخابات، يبدو أن السخونية ستزداد، وستظهر أرقام جديدة، ووعود جديدة، وردود جديدة، وربما سنسمع غداً عن رفع السميك إلى 6000 أو 7000 درهم، وقد يظهر حزب آخر ليقول إنه قادر على رفعه إلى 10 آلاف، وبعدها سيخرج خصمه ليقول إن ذلك مجرد وهم، ثم يبدأ المواطن في البحث عن آلة حاسبة ليتأكد هل هو في المغرب أم في جمهورية الوعود الانتخابية المتحدة!
ومع ذلك، فالضحك جميل، خصوصاً في زمن كثرت فيه الهموم، لكن الأجمل أن تتحول هذه الكوميديا السياسية في النهاية إلى شيء مفيد للمواطن. فالمغاربة لا يريدون أن يضحكوا فقط على تصريحات السياسيين، بل يريدون أن يضحكوا من الفرح عندما يجد العامل أجراً محترماً، وعندما تتحسن ظروف حارس الأمن، وعندما تحصل عاملة النظافة على حقوقها، وعندما يشعر الشاب بأن مستقبله ليس مجرد فقرة في برنامج انتخابي.
إلى ذلك الحين، ستستمر الحلبة، وستستمر التصريحات، وستستمر الحمامة في المشي، وسيستمر البعض في محاولة تقليدها، وسيستمر بن كيران في طرح أسئلته، وستستمر الأحزاب في الرد على بعضها البعض، أما المواطن فسيواصل مهمته الأصعب: الضحك قليلاً على السياسيين حتى يستطيع تحمل بقية الشهر!




