المغرب

حين يمنع الخطيب من الحديث عن المجتمع: هل يراد للدين ان يبقى خارج قضايا الناس؟

افادت مصادر محلية بتوقيف خطيب جمعة بمدينة بركان، على خلفية مضمون خطبة القاها، تطرق خلالها الى الاحداث المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة، وسط انتظار ما ستكشف عنه الجهات المختصة من تفاصيل حول اسباب هذا الاجراء وطبيعته.

واذا صحت هذه المعطيات، فان القضية تفتح من جديد نقاشا يتجاوز واقعة توقيف خطيب او الاستماع اليه، ليمس سؤالا اعمق يتعلق بموقع الخطاب الديني داخل المجتمع، وحدود تدخل الدولة في مضمونه، والسؤال الاهم: هل يراد للمسجد ان يتحول الى فضاء للطقوس فقط، منفصل عن قضايا الناس وهمومهم واسئلتهم اليومية؟

المشكلة ليست في تنظيم الشان الديني، فتنظيم الحقل الديني وضمان استقلال المساجد عن الصراعات الحزبية والسياسية امران مفهومان ومشروعان. لكن التنظيم شيء، وتحويل الدين الى خطاب منزوع الصلة بالواقع شيء اخر.

فالاسلام، في جوهر رسالته، لم يقدم الدين باعتباره مجموعة من الشعائر المنفصلة عن حياة الانسان. لقد تحدث عن العدل والظلم، والفقر والغنى، والكرامة، وحقوق الضعفاء، والمسؤولية، والعلاقات الاجتماعية، والحرب والسلم، وقضايا المجتمع. فكيف يمكن مطالبة الخطيب بان يتحدث الى الناس، ثم يطلب منه في الوقت نفسه ان يتجنب القضايا التي تشغل هؤلاء الناس؟

هل يستطيع الخطيب ان يتحدث عن الاخلاق، لكنه لا يستطيع ان يتحدث عن معاناة الشباب الذين يخاطرون بحياتهم في محاولات الهجرة؟

هل يستطيع ان يتحدث عن الصبر، لكنه لا يستطيع ان يتناول اسباب الياس والاحباط؟

هل يمكنه ان يتحدث عن المسؤولية، لكنه ممنوع من مناقشة قضايا اجتماعية وسياسية وانسانية يرى المواطن اثارها يوميا؟

وهل المطلوب من المسجد ان يقدم للمواطن خطابا روحيا منفصلا عن واقعه، وكان الانسان الذي يدخل المسجد يترك مشاكله عند الباب، ثم يستعيدها بمجرد انتهاء الصلاة؟

ان اختزال الدين في الطقوس التعبدية فقط، وابعاده عن القضايا الاجتماعية والانسانية، قد يؤدي في النهاية الى انتاج خطاب ديني لا يلامس حياة الناس. وعندما يشعر المواطن ان المسجد لا يتحدث عن الاسئلة التي تؤرقه، فانه سيبحث عن اجوبة في اماكن اخرى، وقد تكون تلك الاماكن اقل اعتدالا واقل مسؤولية.

اما وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، فان مسؤوليتها لا ينبغي ان تختزل في مراقبة الخطيب وضبط مضمون خطبته، بل يفترض ايضا ان تكون مهمتها تطوير خطاب ديني قادر على فهم المجتمع ومناقشة تحولاته ومشاكله بلغة مسؤولة ومتزنة.

فالخطيب ليس مجرد شخص يقرا نصا محفوظا كل جمعة. انه يخاطب مجتمعا يعيش البطالة والهجرة والفقر والعنف والتفكك الاسري ومشاكل التعليم والصحة والسكن والعدالة الاجتماعية. واذا كان الدين معنياً بالانسان، فمن الطبيعي ان يكون للخطيب موقف وعظي واخلاقي من هذه القضايا.

ثم ان الحديث عن قضية مثل سبتة المحتلة لا يعني بالضرورة ممارسة العمل السياسي او التحريض. يمكن تناول قضية الهجرة والحدود وكرامة الانسان ومخاطر الموت ومسؤولية الدولة والمجتمع من زاوية دينية واخلاقية وانسانية، دون تحويل المنبر الى منصة حزبية او سياسية.

المطلوب اذن ليس ان يصبح كل خطيب سياسيا، ولا ان تتحول خطبة الجمعة الى تجمع انتخابي او منبر للصراعات الحزبية. المطلوب هو هامش معقول من الاستقلالية والمسؤولية يسمح للخطيب بان يتفاعل مع قضايا المجتمع دون ان يعيش تحت هاجس ان كل حديث عن الواقع قد يتحول الى سبب للمساءلة.

فالمنبر الذي لا يستطيع الاقتراب من الواقع، قد يتحول تدريجيا الى منبر يكرر نفسه.

والدين الذي يطلب منه ان يبقى بعيدا عن مشاكل الناس، قد يفرغ من احد اهم ادواره: مخاطبة الانسان في واقعه، وليس في عالم افتراضي خال من الفقر والهجرة والظلم والقلق والاسئلة.

الاسلام ليس مجرد صلاة وصيام ووعظ فردي؛ انه منظومة قيم تتحدث عن الانسان وكرامته ومسؤوليته وعلاقته بالمجتمع. ومن هنا فان محاولة عزل الخطاب الديني بشكل كامل عن قضايا المجتمع ليست بالضرورة خدمة للدين، بل قد تؤدي الى نتيجة عكسية، فتضعف قدرة الخطاب الديني على التاثير في الناس.

المطلوب ليس خطيبا متمردا على الدولة، ولا خطيبا تابعا لها، وانما خطيب مسؤول، واع بواقعه، يحترم القانون، ويتحدث الى الناس بلغة الدين والاخلاق، ويملك في الوقت نفسه الحق في طرح الاسئلة التي تؤرق المجتمع.

اما ان تصبح وظيفة الخطيب هي اختيار الكلمات التي لا تغضب احدا، والابتعاد عن كل قضية حساسة، والاكتفاء بحديث عام عن الصبر والتقوى والاخلاق، فالسؤال الذي سيبقى مطروحا هو:

اذا كان المسجد لا يتحدث عن مشاكل الناس، فمن يتحدث عنها باسم القيم والاخلاق والدين؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى