المغرب

رسوم التوقيت الميسر.. حين تتحول العودة إلى الجامعة إلى عبء على الموظفين والأجراء

وجد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، نفسه أمام ملف اجتماعي لا يمكن اختزاله في خطاب انتخابي، بعدما واجهه نشطاء من التنسيقية الوطنية للموظفين والأجراء المفروض عليهم التوقيت الميسر بمطلب إلغاء رسوم التسجيل المفروضة على الطلبة الموظفين والأجراء.

المطلب، وإن ظهر في سياق انتخابي، فإنه يعيد إلى الواجهة سؤالا أوسع يتعلق بكلفة التعليم الجامعي بالنسبة إلى الموظف والأجير الذي اختار العودة إلى الدراسة من أجل تطوير مساره المهني أو الحصول على شهادة جديدة.

فالتوقيت الميسر يفترض، في الأصل، أن يفتح باب الجامعة أمام فئة لا تستطيع متابعة الدراسة وفق النظام العادي بسبب ارتباطها بالعمل. غير أن ارتفاع الرسوم قد يجعل هذا الباب مفتوحا من الناحية النظرية، لكنه مكلف إلى درجة تدفع البعض إلى التراجع عن الدراسة أو تأجيلها.

الموظف أو الأجير الذي يعمل طوال اليوم، ثم يخصص جزءا من وقته وجهده للدراسة، لا يدخل الجامعة باعتباره مستفيدا من امتياز مجاني، بل باعتباره شخصا يحاول تحسين مستواه العلمي والمهني في ظروف مختلفة عن الطالب المتفرغ. ولذلك فإن تحميله رسوما مرتفعة يطرح سؤالا مشروعا حول مدى انسجام هذه السياسة مع مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم.

والأكثر إثارة للانتباه أن الموظف والأجير لا يواجهان فقط مصاريف التسجيل، بل يتحملان في الوقت نفسه تكاليف التنقل والكتب والمراجع والوقت الذي يقتطعانه من أسرتهما وراحتهم، فضلا عن الالتزامات المهنية التي لا تختفي بمجرد العودة إلى مقاعد الجامعة.

هنا يصبح مبلغ التسجيل جزءا من كلفة أكبر، وقد تتحول الدراسة بالنسبة إلى صاحب دخل محدود من فرصة للترقي العلمي إلى عبء مالي مستمر.

المشكلة إذن ليست في مساهمة الطلبة في بعض تكاليف التكوين إذا كانت هناك مبررات قانونية وأكاديمية واضحة، وإنما في تحديد قيمة هذه الرسوم ومدى تناسبها مع القدرة المالية للفئة المستهدفة. فالجامعة لا ينبغي أن تقيس حق الموظف أو الأجير في تطوير تكوينه فقط بقدرته على الأداء.

وإذا كانت الدولة تشجع على التعلم مدى الحياة، وتدعو الموظفين والأجراء إلى تطوير مهاراتهم ومواصلة تكوينهم، فمن المنطقي أن تكون السياسات الجامعية مشجعة على ذلك، لا أن تجعل الكلفة المالية عاملا قد يحد من الإقبال.

كما أن استمرار هذا الجدل يكشف الحاجة إلى مراجعة طريقة تدبير نظام التوقيت الميسر، ووضع تصور أكثر عدالة يراعي اختلاف الوضعيات الاجتماعية والمهنية للملتحقين به، مع التفكير في الإعفاءات أو التخفيضات بالنسبة إلى الفئات ذات الدخل المحدود.

فالجامعة ليست مجرد فضاء لمن يملكون القدرة المالية على تحمل رسوم مرتفعة، وإنما مؤسسة يفترض أن تساهم في توسيع فرص المعرفة والترقي الاجتماعي.

وبالتالي، فإن مطلب إلغاء أو تخفيض الرسوم لا ينبغي أن ينظر إليه فقط باعتباره احتجاجا عابرا أمام مسؤول حكومي خلال تجمع انتخابي، بل باعتباره سؤالا حول فلسفة التعليم المستمر: هل نريد موظفا وأجيرا يعودان إلى الجامعة لأنهما يريدان تطوير مستقبلهما، أم نضع أمامهما فاتورة قد تجعل هذه الرغبة مكلفة إلى حد الإحجام عنها؟

الكرة اليوم في ملعب الوزارة لإعطاء جواب واضح حول هذه الرسوم، وتفسير أسس تحديدها، ومدى مراعاتها للقدرة الشرائية للموظفين والأجراء، وما إذا كانت هناك إمكانية فعلية لإعادة النظر فيها.

فالتكوين المستمر لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز لمن يستطيع الدفع، وإنما إلى فرصة متاحة لمن يريد أن يتعلم ويطور مساره، دون أن تصبح الرسوم المرتفعة حاجزا جديدا أمامه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى