المغرب

حين يصل الخلاف إلى الخارج… هل دخلت أزمة المحاماة أخطر مراحلها؟

يبدو أن أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة لم تعد مجرد خلاف مهني بين الحكومة وهيئات الدفاع، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة تتسع رقعتها يوما بعد يوم. فبعد الاعتصامات المركزية، أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب الانتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد، عبر تنظيم أشكال احتجاجية في مختلف جهات المملكة، مع التلويح بإحالة الملف على الهيئات والمنظمات الحقوقية والمهنية الدولية.

هذا التطور يكشف أن جسور الثقة بين الطرفين أصبحت أكثر هشاشة، وأن الحوار، إن وجد، لم يعد كافيا لاحتواء الخلاف. فعندما تختار هيئة مهنية بحجم جمعية هيئات المحامين تدويل قضية تعتبرها مصيرية، فإنها توجه رسالة مفادها أن الأزمة تجاوزت حدود النقاش التقني حول مواد قانونية، وأصبحت بالنسبة إليها مرتبطة بمستقبل المهنة واستقلاليتها.

في المقابل، ترى الحكومة أن إصلاح مهنة المحاماة يدخل ضمن ورش تحديث منظومة العدالة، وأن مراجعة النصوص القانونية أمر طبيعي تفرضه التحولات التي يعرفها القطاع. غير أن الإشكال لا يتعلق فقط بهدف الإصلاح، وإنما بطريقة صياغته ومدى إشراك المعنيين به، وهو ما جعل المشروع يواجه رفضا واسعا داخل الجسم المهني.

ويطرح هذا الوضع سؤالا جوهريا: هل يمكن إنجاح إصلاح العدالة دون توافق مع أحد أهم مكوناتها؟ فالمحامي ليس مجرد فاعل مهني، بل شريك أساسي في تحقيق العدالة، وأي تعديل يمس شروط ممارسة المهنة أو استقلاليتها يحتاج إلى حوار عميق يوازن بين متطلبات الإصلاح وضمانات الاستقلال.

كما أن التلويح بتدويل الملف يحمل دلالات سياسية وقانونية تتجاوز حدود النقاش الداخلي، لأنه قد يفتح الباب أمام متابعة دولية لطبيعة الإصلاحات المرتبطة بالمهن القضائية، وهو ما قد يضع السلطات أمام تحدي تقديم مبرراتها والدفاع عن اختياراتها في محافل مهنية وحقوقية خارجية.

وفي جميع الأحوال، فإن استمرار منطق شد الحبل لن يخدم أي طرف. فالإصلاح الحقيقي لا يُبنى على فرض الأمر الواقع، كما أن الدفاع عن المكتسبات لا ينبغي أن يغلق الباب أمام أي تطوير ضروري للمهنة. وبين هذين المنطقين، يبقى الرهان الأكبر هو الوصول إلى صيغة توافقية تحافظ على استقلال المحاماة، وتستجيب في الوقت نفسه لحاجيات تحديث منظومة العدالة.

فالخاسر الأكبر من استمرار هذا الصراع ليس المحامي ولا الحكومة وحدهما، بل منظومة العدالة بأكملها، التي تحتاج اليوم إلى الثقة والحوار أكثر من حاجتها إلى مزيد من التصعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى