من الحمامة إلى التراكتور… الكفاح على قياس المحرك!

في السياسة المغربية، لا شيء مستحيل. فالأمس الذي كان مليئا بالأناشيد الحزبية، قد يصبح اليوم مجرد ذكرى على رفوف الأرشيف. والشعارات التي كانت تُردد بحماس في المهرجانات، تتحول فجأة إلى كلمات بلا عنوان.
كانت تردد: “يا عزيز ارتاح ارتاح… سنواصل الكفاح.” وكان الكفاح يومها بلون الحمامة، وكانت القناعة تبدو راسخة، والخطاب يوحي بأن الانتماء موقف قبل أن يكون مصلحة.
لكن السياسة عندنا لها قوانين خاصة؛ فالكفاح لا يتوقف، بل يغير وسيلة النقل. بالأمس كانت الحمامة تحلق في السماء، واليوم صار التراكتور يحرث الأرض. المهم أن تبقى الرحلة مستمرة، أما الوجهة فتتغير حسب حالة الطقس الانتخابي.
ويبدو أن بعض السياسيين لا يؤمنون بالأحزاب بقدر ما يؤمنون بالبوصلة الانتخابية. فإذا هبت الرياح في اتجاه الحمامة صاروا حمائم سلام، وإذا تحرك التراكتور بقوة أصبحوا خبراء في الفلاحة السياسية، وإذا ظهر رمز آخر في المقدمة فلا تستغربوا إن اكتشفوا أنهم كانوا يؤمنون به منذ الطفولة!
في النهاية، ليست المشكلة في تغيير الحزب، فالعمل السياسي حق، والانتقال بين التنظيمات قد يكون مبررا عندما يرتبط باختلاف في الرؤية أو المشروع. لكن ما يثير ابتسامة المغاربة هو أن بعض الانتقالات تتم دون أي مراجعة فكرية أو تفسير سياسي مقنع، وكأن البرامج مجرد قمصان تُبدل مع اقتراب موسم الانتخابات.
أما المواطن، فقد أصبح يتابع هذه التحركات بابتسامة ساخرة، وهو يردد: “خيرنا ما يدّيه غيرنا.” فمن أكل مع الحمامة وشرب معها، لا يجد حرجا في احتساء الشاي فوق التراكتور، ما دام الحصاد الانتخابي يبدو أوفر!
ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع: هل تتغير القناعات فعلا بهذه السرعة، أم أن الذي يتغير هو اتجاه الريح؟ ففي السياسة المغربية، يبدو أن بعض المناضلين لا يهاجرون بحثا عن المبادئ، بل بحثا عن الحقول الأكثر خصوبة… انتخابيا.




