المغرب

النموذج التنموي بين الخطاب والواقع.. عندما تتعدد السرعات ويتأخر القطار

في كل مرة يُقدَّم فيها ما يسمى بـ”النموذج التنموي الجديد”، يُصاغ الخطاب الرسمي بلغة واثقة: تشخيص دقيق، رؤية متكاملة، إصلاحات هيكلية، وإقلاع اقتصادي مرتقب. عبارات تبدو في ظاهرها كأنها إعلان دخول إلى مرحلة جديدة من التاريخ التنموي، لكن على الأرض، يبدو المشهد مختلفاً تماماً، أقرب إلى السير في طرق متعددة السرعات، دون وجهة واضحة للجميع.

الخطاب يتحدث عن مغرب واحد، بينما الواقع يكشف عن مغاربة متعددين، يعيشون داخل نفس الجغرافيا لكن في عوالم متباعدة. مغرب المدن الكبرى الذي يلتقط أنفاسه بسرعة، ومغرب القرى الذي لا يزال يراوح مكانه بين ضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية، ومغرب الهامش الذي لم تصل إليه بعد وعود “الإقلاع”.

في القرى، لا تزال أبسط شروط العيش الكريم موضع سؤال. الماء، الطريق، المدرسة، والمستشفى، ليست تفاصيل تقنية في تقارير التنمية، بل معاناة يومية تفرض نفسها بصمت ثقيل. أما في المدن، فشكل آخر من الغربة يتسلل إلى الحياة: ازدحام، كلفة معيشة مرتفعة، فرص غير متكافئة، وشباب يبحث عن معنى الاستقرار في فضاء لا يمنحه سوى المؤقت والهش.

أما إصلاح التعليم، الذي يُقدَّم كأحد أعمدة النموذج التنموي، فما يزال أثره محدوداً في تغيير الواقع الملموس. فبين المناهج المتجددة على الورق، والاكتظاظ وضعف الإمكانيات على الأرض، يبقى السؤال قائماً: أي تعليم لأي تنمية؟ وكيف يمكن لمدرسة غير متوازنة أن تنتج مجتمعاً متوازناً؟

ما يثير الانتباه ليس فقط الفجوة بين الخطاب والواقع، بل تكرار نفس المفردات في كل محطة: تشخيص، حلول، رؤية، استراتيجيات. كلمات تبدو قوية، لكنها مع مرور الوقت تفقد وزنها حين لا تنعكس بشكل ملموس على حياة الناس. فالتنمية لا تقاس بعدد الوثائق، بل بما يتغير في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.

إن استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية بهذا الشكل يجعل من فكرة “المغرب في سرعات متعددة” توصيفاً أقرب إلى الحقيقة من الخطاب الرسمي حول الوحدة التنموية. فهناك من يعيش زمن الرقمنة والفرص، وهناك من لا يزال ينتظر طريقاً معبداً أو قسماً دراسياً لائقاً أو مركزاً صحياً قريباً.

في النهاية، ليست الإشكالية في غياب النماذج أو الخطط، بل في المسافة الطويلة بين ما يُكتب وما يُعاش. وبينما تتحدث التقارير عن “إقلاع اقتصادي واجتماعي”، يواصل جزء كبير من المغاربة السير على أرض لا تزال تنتظر أول خطوة حقيقية نحو العدالة المجالية، لا مجرد إعادة صياغة الوعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى