المغرب

الأبقار الإسبانية تكشف المستور.. هل أصبحت الأمراض ذريعة جديدة لرفع أسعار اللحوم بالمغرب؟

عادت قضية استيراد الأبقار الإسبانية إلى الواجهة بعد إعلان منظمة الاتحاد الإسباني لصغار الفلاحين ومربي الماشية أن صادرات الأبقار الحية نحو المغرب توقفت بشكل كامل خلال سنة 2026 بسبب الحظر الذي فرضته السلطات المغربية عقب ظهور حالات من مرض التهاب الجلد العقدي في بعض المناطق الإسبانية.

هذا المعطى يطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت الأبقار الإسبانية تشكل أكثر من نصف صادرات إسبانيا من الأبقار الحية، وكان المغرب من أكبر زبنائها، فهل فعلاً يفسر توقف هذه الواردات وحده الارتفاع الصاروخي الذي تعرفه أسعار اللحوم الحمراء بالمملكة؟ أم أن هناك أطرافاً وجدت في الوضع فرصة مثالية لمواصلة رفع الأسعار وتحقيق أرباح استثنائية؟

خلال السنوات الأخيرة، لم يعد المواطن المغربي يفهم المنطق الذي تتحرك به أسعار اللحوم. فعندما يضرب الجفاف البلاد ترتفع الأسعار بحجة تراجع القطيع. وعندما تفتح الدولة باب الاستيراد ترتفع الأسعار بحجة تكاليف النقل والاستيراد. وعندما تقدم الحكومة دعماً للمستوردين لا تنخفض الأسعار. وعندما تتراجع أسعار الأعلاف عالمياً لا ينعكس ذلك على جيب المستهلك. واليوم يضاف ملف الأبقار الإسبانية إلى قائمة المبررات الجاهزة.

المفارقة أن الدولة فتحت خلال السنوات الماضية أسواقاً متعددة للاستيراد من دول مختلفة، وقدمت تسهيلات وإعفاءات جمركية وضريبية للمستوردين بهدف زيادة العرض وكبح الأسعار. لكن النتيجة التي لمسها المواطن كانت مختلفة تماماً، إذ استمرت الأسعار في مستويات مرتفعة، ما يدفع إلى التساؤل حول الجهات التي تستفيد فعلاً من هذه الامتيازات.

كما أن منطق السوق يفترض أن ارتفاع الأسعار يكون مؤقتاً عند حدوث نقص في العرض، لكن ما يحدث في المغرب يوحي بأن الأسعار ترتفع بسرعة عند أول أزمة، بينما تتباطأ بشكل غريب عند زوال أسباب الارتفاع. وهو ما يجعل العديد من المتابعين يتحدثون عن وجود حلقات من المضاربة والاحتكار تتحكم في السوق أكثر مما تتحكم فيها المعطيات الموضوعية للعرض والطلب.

صحيح أن حماية القطيع الوطني من الأمراض الحيوانية مسألة سيادية لا تقبل المجازفة، وأن قرار منع الاستيراد من مناطق تعرف انتشار أمراض معدية يمكن تبريره صحياً، لكن الصحيح أيضاً أن هذا القرار لا ينبغي أن يتحول إلى شماعة تعلق عليها كل الاختلالات التي يعرفها قطاع اللحوم الحمراء.

فالواقع أن أزمة اللحوم بدأت قبل الحظر الإسباني واستمرت بعده، كما أن الأسعار واصلت الارتفاع رغم الدعم العمومي والاستيراد من أسواق أخرى. وهذا يعني أن أصل المشكل أعمق من مجرد توقف شحنة أبقار أو إغلاق سوق معينة.

إن المواطن المغربي لا يطالب بمعجزات، بل يطالب فقط بمنطق اقتصادي واضح: إذا كانت الأسعار ترتفع بسبب نقص العرض، فلماذا لا تنخفض عندما يتم توسيع الاستيراد؟ وإذا كانت الدولة تدعم القطاع بملايين الدراهم، فأين تذهب آثار هذا الدعم؟ ومن المستفيد الحقيقي من استمرار أسعار اللحوم في مستويات غير مسبوقة؟

قضية الأبقار الإسبانية تكشف مرة أخرى أن سوق اللحوم الحمراء بالمغرب يحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بالإنتاج أو الاستيراد، بل أصبح يتعلق بمدى قدرة السلطات على مواجهة المضاربة والاحتكار ومنع تحويل الأزمات الظرفية إلى فرص دائمة لاستنزاف القدرة الشرائية للمواطنين.

وإذا كانت الأمراض الحيوانية تبرر منع الاستيراد، فإنها لا تبرر استمرار جيوب بعض الوسطاء والمضاربين في الانتفاخ على حساب المستهلك المغربي الذي أصبح يدفع ثمن كل الأزمات، حتى تلك التي تقع خارج الحدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى