المغرب

عندما تقتل الواحـة عطشا… من يدفع فلاح إقليم الرشيدية إلى الرحيل؟

لم يعد ما يحدث في واحات الرشيدية مجرد أزمة مياه عابرة، بل أصبح عنوانًا لسياسات دفعت بالفلاح الصغير إلى حافة الانهيار، بينما تُترك الأرض التي ورثها عن أجداده تواجه الموت البطيء.
المسيرة الراجلة التي انطلقت من قدوسة نحو مدينة الرشيدية ليست احتجاجًا من أجل مطلب ثانوي، بل صرخة أطلقها رجال ونساء وأطفال بعدما جفت السواقي، وبدأت أشجار النخيل والزيتون تذبل أمام أعين أصحابها. إنها مسيرة شعب يبحث عن حقه في الماء، لأن الماء هنا ليس ترفًا، بل هو الحياة نفسها.
لقد قيل للمغاربة إن المخطط الأخضر سيحقق الإقلاع الفلاحي، لكن الواقع في العديد من المناطق يطرح أسئلة مؤلمة. فمن استفاد فعلًا من هذه السياسات؟ هل هو الفلاح الصغير الذي أصبح عاجزًا عن سقي أرضه، أم الضيعات الكبرى التي تتوفر على الإمكانيات والموارد المائية؟
في الرشيدية، يتحدث السكان منذ سنوات عن تحولات مست تدبير الموارد المائية، وعن تحويل مجاري بعض الأودية، في وقت أصبحت فيه الواحات، التي شكلت عبر قرون حصنًا للحياة في الجنوب الشرقي، تواجه خطر التصحر والاندثار. والنتيجة أن الفلاح الصغير يدفع الثمن وحده، فيضطر إلى هجر أرضه والهجرة نحو المدن، تاركًا وراءه نخيلًا يموت، وقرى تفرغ من سكانها، وتراثًا زراعيًا ينهار بصمت.
أي تنمية هذه التي تجعل صاحب الأرض عاجزًا عن ريها؟ وأي عدالة مجالية تُبشر بها السياسات العمومية إذا كان سكان الواحات يقطعون عشرات الكيلومترات سيرًا على الأقدام فقط ليطالبوا بحقهم في الماء؟
إن حماية الواحات ليست مجرد شأن بيئي، بل قضية وجود ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والذاكرة الجماعية للمنطقة. وكل يوم يمر دون حلول حقيقية يعني فقدان المزيد من الأراضي، والمزيد من الأشجار، والمزيد من الأسر التي تضطر إلى الرحيل.
لقد سار المحتجون تحت شمس حارقة، لكن حرارة الطقس ليست أقسى من الإحساس بالخذلان. فحين يصبح الماء مطلبًا احتجاجيًا، وحين يخرج الفلاح في مسيرة بدل أن يخرج إلى حقله، فذلك إعلان صريح بأن الخلل لم يعد في المناخ وحده، بل في السياسات التي عجزت عن حماية الإنسان والأرض معًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى