المغربفاسمكناس

من فاس إلى الرباط: عندما تكذب الخطابات وتصرخ الشغيلة أمام وزارة التشغيل

في الوقت الذي كانت فيه بعض القيادات الحزبية بفاس تُعيد تلميع خطابها السياسي المعتاد، وتُقدّم للمواطنين جرعات إضافية من الوعود الاقتصادية الجاهزة للاستهلاك الانتخابي، كان المشهد في الرباط يسير في اتجاه معاكس تماماً، حيث اختارت عاملات وعمال شركتي سيكوم وسيكوميك بمكناس أن ينقلوا “الخطاب الحقيقي” إلى باب وزارة التشغيل.

خطاب لا ميكروفونات فيه، ولا عروض تقديمية، ولا أرقام تُقذف في الهواء مثل بالونات سياسية، بل وجوه متعبة، وأصوات أنهكتها سنوات من الانتظار، وملفات عمالية ظلت عالقة بين الشركات والإدارات والوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

مئات العاملات اللواتي فقدن وظائفهن بعد سنوات من العمل، لم يجدن ما يواجهن به واقعهن سوى الوقوف أمام مؤسسة يفترض أنها عنوان الحماية الاجتماعية، للمطالبة بحقوق يعتبرنها بديهية: الأجر، التعويض، والكرامة المهنية.

لكن في المغرب السياسي الموازي، لا شيء يبدو بديهياً.

يمكن أن يُقال للمواطن إن الأمور تسير نحو الأفضل، وإن النمو في تحسن، وإن المستقبل يحمل مفاجآت سارة. وفي نفس اللحظة، يمكن أن يقف عمال أمضوا سنوات من حياتهم داخل مصانع مغلقة اليوم، ليكتشفوا أن “المفاجأة السارة” الوحيدة التي حصلوا عليها هي البطالة.

المفارقة الساخرة أن الخطابات التي تُلقى في الفضاءات السياسية لا ترى هذه الوقفات الاحتجاجية، أو ربما تراها لكنها تعتبرها مجرد “تفاصيل اجتماعية” لا تعكر صفو الصورة العامة. بينما الحقيقة أن هذه “التفاصيل” هي جوهر المشهد الاجتماعي نفسه.

في مكناس، هناك من اشتغل سنوات طويلة في شركة، ليجد نفسه فجأة خارج أسوارها، دون ضمانات كافية، ودون إنصاف حقيقي، ودون جواب واضح عن سؤال بسيط: من يحمي العامل عندما تُغلق الأبواب؟

وفي الرباط، هناك من ما يزال يشرح للمواطنين كيف أن الأمور ستتحسن قريباً، وكيف أن الإصلاحات بدأت تؤتي أكلها، وكيف أن الطريق نحو الرفاهية أصبح أقصر من أي وقت مضى.

لكن بين الخطاب والواقع، هناك مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بعدد الوقفات الاحتجاجية، وعدد الملفات العالقة، وعدد السنوات الضائعة في الانتظار.

الأكثر إثارة للسخرية السياسية أن هذه الاحتجاجات لا تأتي في سياق استثنائي، بل أصبحت جزءاً من يوميات اجتماعية متكررة، إلى درجة أن المواطن صار يتعامل معها كخبر عادي، بينما يفترض أنها مؤشر على أزمة تحتاج إلى معالجة عاجلة.

وعندما تختار الشغيلة أن تقف أمام وزارة التشغيل نفسها، فإن الرسالة لا تحتاج إلى كثير من التأويل: المشكلة ليست فقط في شركة أو قطاع، بل في منظومة كاملة لا يبدو أنها تسمع إلا ما تريد سماعه.

أما الخطابات التي تُقدَّم في المدن، والتي تعد ببحبوحة اقتصادية وتحسينات كبرى، فتبدو في هذه اللحظة أقرب إلى عروض سياسية منفصلة عن الأرض التي يقف عليها المواطنون فعلياً.

وفي النهاية، قد يختلف الناس حول تقييم السياسات، لكن ما لا يمكن الاختلاف حوله هو أن العامل الذي يخرج من مصنعه بلا حقوق، لا يهمه كثيراً شكل الخطاب، بقدر ما يهمه مضمونه.

وما بين فاس التي تُقدَّم فيها الوعود، والرباط التي تُرفع فيها المطالب، ومكناس التي تُغلق فيها المصانع، يبقى السؤال معلقاً:

من يكذب على من؟ أم أن الجميع بات يتقن لعبة الكلام بينما الواقع يسير في اتجاه آخر تماماً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى