المغرب

حين تعجز السياسة… يتكفل “المازوط” بالباقي!


يبدو أن الإقناع لم يعد العملة الصعبة الوحيدة في سوق السياسة، فقد دخل “المازوط” على الخط، ليس كمادة طاقية فحسب، بل كوسيلة “تواصل سياسي” متقدمة، قادرة – حسب ما يُروج – على تثبيت المناضلين في أماكنهم، ومنعهم من التفكير في “الهجرة الجماعية” خارج الحزب.
الخبر المتداول عن توزيع 400 مليون سنتيم لاحتواء نزيف محتمل داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه محرج: هل أصبح الانتماء الحزبي يُقاس بعداد الوقود؟ وهل صار المناضل يحتاج إلى “خزان ممتلئ” ليظل مقتنعاً بخط الحزب؟
في السياسة الكلاسيكية، كان يُقال إن الأحزاب تقنع، تؤطر، وتنتج الأفكار. أما اليوم، فيبدو أننا أمام نموذج جديد: “أقنعني… أو املأ لي الخزان”. وإذا لم ينجح الخطاب السياسي، فلا بأس من اللجوء إلى الدعم اللوجستيكي، فربما يكون “الديزل” أكثر بلاغة من الخطب.
ولا يمكن فصل هذه الروايات عن السياق العام الذي يعيشه الحزب الذي يقوده عزيز أخنوش، حيث تتصاعد الانتقادات حول الأداء الحكومي، وتزداد الضغوط السياسية والاجتماعية. وهنا، يصبح الحفاظ على التماسك الداخلي أولوية قصوى… حتى لو تطلب الأمر حلولاً “طاقية” بدل حلول سياسية.
المفارقة أن “المازوط”، الذي كان موضوع جدل واسع بسبب ارتفاع أسعاره وتأثيره على القدرة الشرائية للمواطنين، يتحول فجأة – في هذه الرواية – إلى أداة لضبط الإيقاع الحزبي. المواطن يدفع الثمن في المحطة، والمناضل قد يستفيد منه في “محطة” أخرى… يا لها من عدالة توزيع مبتكرة!
لكن، بعيداً عن السخرية، فإن مثل هذه الأخبار – سواء كانت دقيقة أو مبالغاً فيها – تعكس أزمة أعمق: أزمة ثقة. فعندما يحتاج الحزب إلى وسائل غير سياسية لضمان ولاء أعضائه، فذلك يعني أن الرابط التنظيمي لم يعد كافياً، وأن الإقناع فقد بريقه.
في النهاية، قد لا نعرف حقيقة الأرقام المتداولة، لكن المؤكد أن المشهد السياسي أصبح غنياً بالطرائف: أحزاب تُدبّر شؤونها بالوقود، ومناضلون قد يغيرون وجهتهم حسب “سعر اللتر”. أما المواطن، فسيظل يتساءل: هل السياسة عندنا تُدار بالعقول… أم بالمحروقات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى