البام أمام مرآة خطابه الانتخابي.. هل تتذكر المنصوري مواقف الأمس؟

لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة طوال الولاية الحكومية السابقة حزبا معارضا، بل كان جزءا من الأغلبية الحكومية ومنسجما إلى حد كبير مع حزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أن تبدأ المسافة السياسية بين الطرفين في الاتساع خلال نهاية الولاية، ثم بلغت ذروتها خلال الحملة الانتخابية، حين اختار البام توجيه انتقادات واضحة إلى الأحرار ورئيس الحكومة، وقدم نفسه في عدد من مواقفه بخطاب قريب من خطاب المعارضة.
اليوم، وبعد تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، تبدو المفارقة السياسية واضحة: الحزب الذي كان ينتقد تدبير الحكومة السابقة ويضع عددا من اختياراتها تحت المجهر، سيجد نفسه أمام اختبار حقيقي عندما ينتقل من موقع المنتقد إلى موقع المسؤول الأول عن تدبير الحكومة.
السؤال هنا ليس فقط ماذا سيحدث داخل الأغلبية المقبلة، ولا من سيدخل الحكومة ومن سيجلس في المعارضة، بل ماذا ستفعل المنصوري مع الخطاب الذي تبناه حزبها خلال الحملة الانتخابية؟ هل ستعتبر تلك الانتقادات مجرد تنافس انتخابي انتهى بانتهاء صناديق الاقتراع، أم أنها كانت تعبيرا عن اختلاف سياسي حقيقي مع طريقة تدبير المرحلة السابقة؟
فالانتقال من المعارضة الانتخابية إلى مسؤولية الحكم ليس مجرد تغيير في المقاعد، وإنما تغيير في موقع الخطاب نفسه. ما كان سهلا قوله من خارج رئاسة الحكومة يصبح أكثر صعوبة عندما تصبح القرارات والنتائج والأرقام والمسؤوليات في يد الحزب نفسه. ومن هنا ستكون المعارضة المقبلة أمام فرصة كبيرة لتذكير البام بكل ما قاله عن الحكومة السابقة، وبكل الملاحظات التي وجهها إلى الأحرار، وبكل الوعود التي قدمها للناخبين باعتبارها بديلا قادرا على تقديم تدبير مختلف.
وهنا ستظهر أيضا مسألة أخرى أكثر حساسية: هل سيحافظ حزب الأصالة والمعاصرة، وهو يقود الحكومة، على نفس النظرة التي كان يدافع عنها عندما كان ينتقد الأغلبية من داخلها؟ وهل سيقبل بالقدر نفسه من النقد والمساءلة الذي كان يطالب به عندما كان يرفع صوته ضد رئيس الحكومة السابق؟ أم أن قواعد اللعبة ستتغير بمجرد أن يصبح الحزب في موقع القرار؟
المعارضة لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على استعمال الأدوات الدستورية والمؤسساتية المتاحة لها لمراقبة الحكومة ومساءلتها. ولذلك فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بإثبات أن وصول البام إلى رئاسة الحكومة لا يعني الانتقال من خطاب ينتقد السلطة التنفيذية إلى ممارسة سلطة تنفيذية تضيق بالنقد.
والمنصوري تحديدا ستكون أمام اختبار سياسي كبير، لأنها ليست شخصية جديدة على المشهد الحكومي، كما أن حزبها ليس وافدا على تجربة الأغلبية. وبالتالي فإن المعارضة لن تحتاج إلى البحث كثيرا عن الملفات التي يمكن أن تواجه بها الحكومة، بل يمكنها ببساطة أن تعود إلى تصريحات ومواقف الحملة الانتخابية، وتسأل: هل ما قيل آنذاك كان قناعة سياسية ثابتة أم مجرد خطاب انتخابي فرضته المنافسة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حزب سياسي هو أن يصبح أسير خطابه السابق. فالكلام الذي يقال للوصول إلى السلطة لا يختفي بمجرد الوصول إليها، بل يتحول إلى التزام سياسي وأخلاقي أمام الناخبين. وإذا كان البام قد انتقد الأحرار في نهاية الولاية السابقة واتخذ من بعض سياساتهم مادة أساسية في خطابه الانتخابي، فإن الرأي العام سيظل من حقه أن يسأل الحكومة الجديدة عن البديل الذي وعدت به، وعن الفرق الذي ستصنعه في التدبير.
أما إذا تبين أن كثيرا من تلك الانتقادات لم تكن سوى جزء من المنافسة الانتخابية، فإن السؤال سيكون أكثر إحراجا: لماذا قيلت أصلا بهذه الحدة؟ وهل كان الهدف فعلا تقديم مشروع مختلف، أم إعادة ترتيب موازين القوة داخل الأغلبية والانتقال من المرتبة الثانية إلى المرتبة الأولى؟
لهذا تبدو المرحلة المقبلة أشبه بمرآة سياسية كبيرة أمام البام والمنصوري. فكل ما قيل خلال الحملة سيعود من جديد، ولكن هذه المرة من مقاعد المعارضة. وكل وعد سيصبح مطلبا، وكل انتقاد سابق سيصبح سؤالا، وكل موقف انتخابي سيصبح معيارا للحكم على الحكومة الجديدة.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن البام لن يواجه فقط معارضة الأحزاب المنافسة، بل سيواجه أيضا ذاكرته السياسية الخاصة. فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن الخطاب الانتخابي لا ينتهي معها. وعندما يصبح الحزب في موقع المسؤولية، تبدأ مرحلة الحساب الحقيقي: ليس حساب المقاعد فقط، وإنما حساب الوعود والمواقف والتصريحات.
وفي النهاية، لن يكون التحدي أمام المنصوري هو تشكيل حكومة قادرة على جمع الأغلبية فحسب، بل بناء حكومة تستطيع أن تقول للمعارضة: انتقدونا كما كنا ننتقد من سبقنا، وحاسبونا كما كنا نطالب بمحاسبة غيرنا، ثم احكموا علينا بالنتائج. عندها فقط يمكن القول إن خطاب الحملة لم يكن مجرد موسم انتخابي، وإنما كان تعاقدا سياسيا حقيقيا مع المغاربة.




