جيراندو والغزاوي.. حين يتحول الابتزاز من حرب إلكترونية إلى منطق لتصفية الخصوم

تكشف المعطيات المتداولة حول المحادثات المنسوبة إلى هشام جيراندو وعبد الواحد الغزاوي عن جانب أكثر خطورة من مجرد حرب كلامية اندلعت على منصات التواصل الاجتماعي، لأن القضية، لا تتعلق فقط بشخص يهاجم خصومه عبر الفيديوهات، وإنما بمنطق يبدو أنه حاول نقل الصراع من فضاء التشهير والاتهام إلى فضاء الترهيب المادي، وتحويل الخلاف القضائي إلى معركة تستخدم فيها أدوات الجريمة المنظمة لإجبار الخصوم على التراجع.
فالخطير في هذه القضية ليس فقط الحديث عن تهديد أشخاص بأعيانهم، ولا طبيعة العبارات المتداولة، وإنما الهدف المفترض من وراء تلك التهديدات: إسكات أشخاص اختاروا اللجوء إلى القضاء، ودفعهم إلى سحب شكاياتهم والتنازل عن حقوقهم، أي محاولة التأثير في مسار العدالة بواسطة الخوف. وبحسب هذا، فإننا لا نكون أمام خصومة شخصية عادية، بل أمام محاولة لتحويل الجريمة إلى أداة ضغط موازية للمسار القضائي.
وهنا تتضح المفارقة الكبرى. فالشخص الذي يعتقد أنه تعرض للظلم يمتلك حق اللجوء إلى المحكمة، ومن يرفض اتهاما موجها إليه يستطيع تقديم دفوعه، ومن يعترض على حكم قضائي يستطيع استعمال طرق الطعن التي يتيحها القانون. أما أن تتحول الشكاية القضائية إلى سبب لاستهداف صاحبها أو تخويفه، فذلك يعني عمليا محاولة فرض قاعدة خطيرة مفادها أن ممارسة الحق في التقاضي يمكن أن تكون لها كلفة خارج القانون.
وبحسب ما ورد في التسريبات المتداولة، فإن الأمر لم يكن مجرد تهديد عام أو كلام غاضب، بل تضمن تحديد أشخاص بعينهم، وتداول صورهم، والحديث عن مراحل تبدأ بالترهيب والضغط وتنتهي، وفق ما توحي به المحادثات المنشورة، إلى اعتداءات أكثر خطورة، تكشف عن انتقال واضح من خطاب الخصومة إلى التفكير في آليات تنفيذية خارج القانون، وهو انتقال لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد انفعال عابر أو «زلة لسان» ناجمة عن الغضب.
الأكثر دلالة أن الأشخاص الذين قيل إنهم كانوا مستهدفين يجمع بينهم، وفق المعطيات المنشورة، اختيارهم القضاء الكندي لمواجهة ما يعتبرونه أضرارا لحقت بهم. وهنا يصبح السؤال السياسي والقانوني أكبر من أسماء الأشخاص: ماذا يعني أن يحاول طرف إخافة خصومه لأنهم اختاروا المحكمة؟ الجواب أن الهدف لا يعود إسكات أربعة أفراد فقط، وإنما توجيه رسالة إلى كل من يمكن أن يفكر في سلوك الطريق نفسه: لا تشتك، لا تطالب بحقك، لا تذهب إلى المحكمة، لأنك قد تصبح هدفا للترهيب.
وهذا تحديدا ما يجعل مثل هذه القضايا شديدة الحساسية. فالمجتمع الذي يثق أفراده في القضاء هو مجتمع يمكن فيه حل النزاعات عبر المؤسسات. أما المجتمع الذي يبدأ فيه الناس في التفكير بأن الشكوى قد تجلب عليهم الانتقام، وأن المطالبة بالحق قد تعرضهم للخطر، فهو مجتمع يجري دفعه تدريجيا نحو منطق القوة والثأر والعدالة الخاصة.
وتزداد خطورة المعطيات المتداولة عندما يتعلق الأمر بشبكات عابرة للحدود. الحديث عن أشخاص في المغرب، وخصوم يوجدون في كندا أو إسبانيا، وأشخاص يفترض استقدامهم من فرنسا، يكشف عن محاولة لاستغلال المسافات والحدود من أجل تنفيذ مخطط يصعب ضبطه داخل نطاق جغرافي واحد. وهذا هو بالضبط النوع من الملفات الذي يجعل التعاون الأمني والقضائي الدولي ضرورة، لأن الجريمة المنظمة لا تعترف بالحدود، بينما يفترض بالقانون أن يلاحق مرتكبيها عبر الآليات التي تتيحها الاتفاقيات والتشريعات الوطنية والدولية.
غير أن الأهم في هذه القضية هو ألا تتحول إلى مجرد معركة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي. فالحرب الإعلامية لا يمكن أن تحل محل التحقيق، والتسريبات لا يمكن أن تحل محل الأدلة، والاتهامات المتبادلة لا يمكن أن تحل محل القضاء. لذلك فإن الحسم الحقيقي لا يكون عبر فيديو جديد أو منشور جديد، وإنما عبر وضع كل المعطيات أمام الجهات القضائية المختصة، والتحقق من مصدرها وسلامتها التقنية، وتحديد أصحاب الحسابات والأجهزة والاتصالات، ثم ترتيب المسؤوليات على أساس ما يثبت قانونا.
ذلك أن خطورة القضية لا تبرر تجاوز القانون، بل تجعل التشبث به أكثر ضرورة.
وإذا ثبت أن شخصاً ما حرض أو خطط أو ساهم في الإعداد لاعتداءات، فإن المسؤولية لا تحتاج إلى حملات تشهير مضادة، وإنما إلى حكم قضائي واضح يحدد الأفعال والأدوار والجزاءات. وإذا ثبت العكس، فإن القضاء هو الجهة القادرة على إسقاط الاتهامات وإغلاق الباب أمام المزايدات.
أما سياسياً، فإن الرسالة الأهم ينبغي أن تكون أبسط من كل هذا التعقيد: الدولة لا يمكن أن تسمح بأن يصبح الترهيب بديلا عن القضاء، ولا يمكن أن تقبل بأن تتحول شبكات الجريمة إلى أدوات لتسوية الخلافات الشخصية أو الإعلامية أو التجارية أو القضائية. فالقوة ليست في امتلاك القدرة على تخويف الخصم، وإنما في امتلاك الحجة التي تستطيع الصمود أمام المحكمة.
ومن هذه الزاوية، فإن قضية جيراندو والغزاوي، لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها حلقة جديدة في مسلسل الصراع الإلكتروني، وإنما باعتبارها اختباراً صريحا لحدود ما يمكن أن يصل إليه خطاب التحريض عندما ينفصل عن المسؤولية ويتحول إلى مشروع ضغط مادي. فالكلمات قد تبدأ خلف شاشة هاتف، لكنها تصبح قضية جنائية عندما تتحول إلى أوامر، وأسماء، وصور، واتصالات، وترتيبات لتنفيذ اعتداءات.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من انتصر في حرب الفيديوهات؟
السؤال الحقيقي هو: هل يبقى القانون هو الطريق الوحيد لتسوية النزاعات، أم يسمح البعض بتحويل الخلاف إلى معركة تستخدم فيها أدوات الجريمة لإجبار الخصوم على الصمت؟
إن الإجابة يجب أن تكون حاسمة: لا يمكن لمن يعجز عن كسب معركته أمام القضاء أن يحاول كسبها بالخوف، ولا يمكن لمن يرفض حكم المؤسسات أن ينصب لنفسه محكمة خاصة، ولا يمكن أن يصبح المجرم المأجور بديلا عن المحامي، أو التهديد بديلاً عن الحكم، أو العنف بديلا عن العدالة.
فالدولة القوية ليست التي تدخل في معركة مع أصحاب الضجيج، وإنما التي تضع الجميع أمام قاعدة واحدة: من يملك دليلا فليقدمه، ومن يملك حقا فليطالب به، ومن ارتكب جريمة فليتحمل مسؤوليتها، أما محاولة إخضاع الخصوم بالخوف، فهي ليست بطولة ولا انتصارا، بل صورة أخرى من صور العجز عن مواجهة القانون.



