الانتخابات تقترب… فمن يحارب الفساد: الشعارات أم المواقف؟

مع اقتراب الانتخابات، بدأت الأحزاب السياسية في تسخين محركاتها استعداداً لموسم الوعود الكبرى. سنسمع مجدداً عن محاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام، وتخليق الحياة السياسية. لكن قبل أن تنطلق الخطب الحماسية، يحق للمواطن أن يعود قليلاً إلى الوراء ويسأل سؤالاً بسيطاً:
عندما طُرح ملف “الفراقشية” والدعم المرتبط بعيد الأضحى، وعندما طُلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لكشف ما جرى ومحاسبة المسؤولين إن ثبت وجود اختلالات، ماذا فعلت الأحزاب التي تتحدث اليوم عن محاربة الفساد؟
الأرقام تقول إن مستشاري أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، إلى جانب الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، صوتوا ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق.
وهنا تبدأ الكوميديا السياسية.
فكيف يمكن لحزب يرفض التحقيق أن يقنع المواطنين بأنه سيحارب الفساد؟ وكيف يمكن لمن أغلق باب البحث عن الحقيقة أن يطلب من الناخبين منحه مفاتيح السلطة من أجل تحقيق الشفافية؟
الأمر يشبه رجل إطفاء يصوت ضد اقتناء شاحنات الإطفاء، ثم يخرج في الحملة الانتخابية متعهداً بمحاربة الحرائق. أو طبيباً يرفض إجراء التحاليل الطبية للمريض ثم يعده بعلاج كل الأمراض.
الأكثر إثارة أن بعض الأحزاب التي صوتت ضد لجنة التقصي توجد نظرياً في المعارضة. والمعارضة في كل الديمقراطيات تطالب بالمراقبة والمحاسبة وكشف الحقائق. أما عندنا فقد ظهر نوع جديد من المعارضة: معارضة الحكومة حين يتعلق الأمر بالتصريحات، ومعارضة التحقيق حين يتعلق الأمر بالوقائع.
خلال الأسابيع المقبلة سيطرق مرشحو هذه الأحزاب أبواب المواطنين. سيحدثونهم عن الإصلاح والنزاهة والشفافية. لكن الناخب الذي يتابع الشأن العام قد يطرح سؤالاً محرجاً: إذا كنتم قد رفضتم معرفة الحقيقة في ملف يثير كل هذا الجدل، فكيف سنصدق أنكم ستحاربون الفساد عندما تصبحون أقوى وأكثر نفوذاً؟
السياسة في النهاية ليست ما يُقال في المنصات الانتخابية، بل ما يُفعل عند لحظة الاختبار. ولحظة الاختبار كانت واضحة: لجنة لتقصي الحقائق أو التصويت ضدها.
أما الشعارات فستُطبع من جديد، واللافتات سترفع من جديد، والخطب ستلقى من جديد. لكن المواقف المسجلة في محاضر التصويت لا تختفي بسهولة، لأنها تقول للمواطنين شيئاً واحداً:
هناك من يريد محاربة الفساد في الحملات الانتخابية، لكنه لا يبدو متحمساً كثيراً للبحث عنه عندما يكون قريباً منه.




