عندما انتصرت التكنولوجيا على الغش في الامتحانات… فهل تصل إلى الصفقات العمومية

كشفت معطيات وزارة التربية الوطنية عن تسجيل 4929 حالة غش خلال الامتحان الجهوي الموحد للسنة الأولى بكالوريا برسم دورة يونيو 2026، بارتفاع كبير مقارنة بالسنة الماضية. ورغم أن الرقم يبدو مقلقاً للوهلة الأولى، فإن القراءة المتأنية تكشف جانباً آخر من الصورة: الدولة أصبحت أكثر قدرة على كشف الغش.
فالأمر لا يتعلق فقط بارتفاع عدد المخالفات، بل أيضاً بتطوير وسائل الرصد والمراقبة، من خلال تعميم الأنظمة الإلكترونية للكشف عن الغش، وتكوين آلاف الأطر التربوية والإدارية على استعمالها، مما جعل الكثير من المحاولات التي كانت تمر في السابق دون اكتشاف تقع اليوم في قبضة المراقبة.
وهنا يبرز سؤال يستحق النقاش: إذا كانت التكنولوجيا قادرة على كشف تلميذ يحاول الحصول على نقطة إضافية في امتحان، فلماذا لا يتم توسيع استعمالها بشكل أكبر لكشف الغش في مجالات أخرى تمس المال العام ومصالح المواطنين؟
فالغش لا يوجد فقط داخل قاعات الامتحان، بل يمكن أن يتسلل إلى الصفقات العمومية، وإلى بعض مساطر التوظيف، وإلى عمليات الدعم، وإلى التصريحات المالية، وإلى فواتير الأشغال والخدمات. الفرق الوحيد هو أن غش التلميذ قد يمنحه نقطة أو شهادة، بينما قد يكلف غش الصفقات ملايين الدراهم من أموال دافعي الضرائب.
اليوم أصبحت الأنظمة الرقمية قادرة على مقارنة الوثائق، وتتبع المعطيات، ورصد التناقضات، واكتشاف المؤشرات غير الطبيعية في ثوان معدودة. وهي أدوات يمكن أن تشكل دعامة قوية للشفافية إذا تم تعميمها على مختلف القطاعات التي تتعامل مع الأموال العمومية.
فكما يتم تجهيز مراكز الامتحانات بوسائل حديثة لكشف الهواتف والأجهزة الإلكترونية المستعملة في الغش، يمكن أيضاً تطوير أنظمة ذكية لمراقبة تنفيذ المشاريع العمومية وتتبع مراحل إنجازها، ومقارنة الكلفة الحقيقية للمشاريع بالكلفة المعلنة، والكشف المبكر عن الاختلالات المحتملة قبل أن تتحول إلى ملفات معقدة.
إن نجاح تجربة الرقمنة في المجال التربوي يثبت أن التكنولوجيا ليست مجرد رفاهية إدارية، بل أصبحت أداة أساسية لحماية النزاهة وتكافؤ الفرص. وعندما يشعر الجميع بأن فرص اكتشاف المخالفة أصبحت مرتفعة، تتراجع محاولات التحايل تلقائياً.
لذلك فإن الدرس الأهم من أرقام الغش المسجلة هذه السنة لا يتعلق فقط بالتعليم، بل بفكرة أوسع: كلما تطورت وسائل المراقبة والكشف، ضاقت المساحات المتاحة أمام الغش أياً كان شكله.
فإذا كانت الدولة قد نجحت في تطوير وسائل تكشف ورقة غش داخل قسم دراسي، فإن المواطنين ينتظرون أن يروا الدرجة نفسها من التطور والصرامة في تتبع الصفقات العمومية، وحماية المال العام، ومراقبة مختلف المجالات التي تتطلب النزاهة والشفافية.
لأن محاربة الغش لا ينبغي أن تتوقف عند أبواب المؤسسات التعليمية، بل يجب أن تتحول إلى ثقافة وممارسة تشمل كل المجالات التي تؤثر في حياة المجتمع ومستقبل البلاد.




