المغرب

المغرب والطاقة: من حلم “التصدير الكبير” إلى واقعية السيادة الطاقية


في خضم النقاش المتصاعد حول مستقبل الطاقة في المنطقة، يختار المغرب أن يسير عكس التيار السائد الذي يروّج لفكرة التحول إلى “مُصدِّر ضخم للكهرباء نحو أوروبا”. فبدل الارتماء في سباق التصدير، تبدو الرباط أكثر ميلاً إلى بناء نموذج طاقي متوازن، يُعطي الأولوية للداخل قبل الخارج، ويؤسس لسيادة طاقية حقيقية بدل الارتهان لرهانات الأسواق الدولية.
تصريحات وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، تعكس هذا التحول في الرؤية. فالمغرب، بحسب هذا التوجه، لا يسعى إلى لعب دور “بطارية أوروبا” كما يروَّج أحياناً، بل يركز على بناء منظومة طاقية متكاملة، قوامها الإنتاج المحلي، والتثمين الصناعي، وتقليص كلفة الطاقة لفائدة الاقتصاد الوطني.
هذا الاختيار ليس مجرد تفصيل تقني، بل يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية عميقة. فالتجارب الدولية أظهرت أن التحول إلى مصدر للطاقة دون تأمين الحاجيات الداخلية قد يُحوّل الدول إلى مجرد مزود خام، يخضع لتقلبات الأسعار وشروط الأسواق الخارجية. لذلك، يبدو أن المغرب يحاول تفادي هذا الفخ عبر ربط أي توجه تصديري بشروط صارمة: عقود واضحة، آليات تسعير دقيقة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية.
في المقابل، لا يعني هذا الانغلاق أو الانسحاب من المشهد الدولي. على العكس، يراهن المغرب على موقعه الجغرافي الاستراتيجي ليكون منصة ربط طاقي بين إفريقيا وأوروبا، مستفيداً من شبكات الربط القائمة، ومن مشاريع مستقبلية قد تعزز هذا الدور. لكن الفرق هنا هو أن الربط لا يعني التبعية، بل شراكة متوازنة تُراعي المصالح الوطنية أولاً.
الرهان الحقيقي، كما يبدو، هو في الداخل: خفض كلفة الطاقة، دعم تنافسية المقاولات، وتحفيز الاستثمار الصناعي. وهنا تبرز أهمية الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، ليس فقط كمجالات واعدة للتصدير، بل كرافعة لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وبناء سلاسل قيمة جديدة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فبناء منظومة طاقية متكاملة يتطلب استثمارات هائلة، وإصلاحات هيكلية، وقدرة على التوفيق بين متطلبات السوق الداخلية وضغوط الشركاء الدوليين. كما أن سباق الطاقة العالمي، خاصة في مجال الهيدروجين الأخضر، يفرض على المغرب تسريع وتيرة الإنجاز حتى لا يفقد موقعه التنافسي.
في النهاية، يبدو أن المغرب يختار طريقاً أقل صخباً، لكنه أكثر واقعية: بدل البحث عن أرقام قياسية في التصدير، يسعى إلى بناء نموذج طاقي سيادي، متدرج، وقادر على الصمود. نموذج قد لا يثير العناوين الكبرى اليوم، لكنه قد يشكل أساساً لتحول اقتصادي عميق في السنوات القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى