فاس: حين تتحول المنازل إلى أوكار للدعارة بين الشواذ

لم يعد النقاش حول بعض السلوكيات الجنسية التي تثير رفضا واسعا داخل المجتمع المغربي مجرد نقاش أخلاقي عابر، بعدما بدأت تظهر بين الفينة والأخرى معطيات وشكايات تتحدث عن استغلال بعض المنازل داخل الأحياء السكنية في أنشطة لا تمت بصلة إلى طبيعة هذه الفضاءات ولا إلى القيم التي تربت عليها الأسر المغربية.
فالحي السكني ليس فضاء مفتوحا لتجريب كل أشكال السلوك تحت شعار الحرية الشخصية، ولا يمكن تحويل المنازل الواقعة وسط الأسر والأطفال والجيران إلى أماكن لاستقبال الأشخاص وممارسة علاقات جنسية أو أنشطة يشتبه في ارتباطها بالدعارة.
وفي حي ليراك بمدينة فاس، يطرح الجدل المتداول حول أحد المنازل أسئلة تتجاوز تفاصيل الواقعة نفسها، وتعيد إلى الواجهة قضية استغلال بعض الفضاءات السكنية في ممارسات يرى جزء واسع من المجتمع المغربي أنها تتعارض مع قيمه الدينية والأسرية والثقافية.
أما المثلية الجنسية، فإن تقديمها للمغاربة باعتبارها ظاهرة ينبغي تطبيعها وقبولها دون نقاش، يتجاهل أن المجتمع المغربي له منظومة دينية وثقافية واضحة تجاه العلاقات الجنسية والأسرة. ومن حق المغاربة أن يرفضوا هذا النموذج وأن يعبروا عن تمسكهم بالأسرة القائمة على الزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة، دون أن يتم اختزال موقفهم في الكراهية أو التخلف.
المشكلة تصبح أكثر استفزازا عندما لا يبقى الأمر في حدود الاختيارات الخاصة، وإنما يتعلق، بحسب ما يتم تداوله، باستغلال منزل داخل حي سكني في استقبال أشخاص وممارسة أنشطة يشتبه في ارتباطها بالدعارة. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل يمكن أن تتحول بعض المنازل وسط الأحياء العائلية إلى فضاءات لمثل هذه الممارسات دون أن يكون لذلك أي أثر على المحيط الاجتماعي؟
الحرية الشخصية ليست شيكا على بياض، ولا تعني تحويل منزل داخل حي سكني إلى مكان لممارسة أنشطة تجارية أو جنسية. وإذا ثبت وجود دعارة أو استغلال أو وساطة أو أي نشاط مخالف للقانون، فإن الأمر لا علاقة له بالميول الجنسية، بل يتعلق بأفعال يجب أن تخضع للقانون وتتحمل الجهات المتورطة فيها مسؤوليتها.
فاس، باعتبارها مدينة ذات تاريخ عريق وخصوصية ثقافية واجتماعية واضحة، ليست مجرد بنايات وشوارع، بل مجتمع له ذاكرة وقيم وتقاليد. ومن حق سكانها أن يتمسكوا بالفضاء الاجتماعي الذي يريدون أن تعيش فيه أسرهم وأبناؤهم، وأن يرفضوا تحويل الأحياء السكنية إلى أماكن لممارسات لا تنسجم مع تصورهم للأسرة والمجتمع.
المغرب ليس مجتمعا بلا هوية، وليس مطلوبا منه أن يتخلى عن قيمه حتى يثبت للعالم أنه مجتمع “منفتح”. فالانفتاح لا يعني محو الخصوصية الثقافية، كما أن احترام الاختلاف لا يعني إجبار المجتمع على قبول كل السلوكيات التي يرفضها دينيا وثقافيا.
ومن حق المجتمع المغربي أن يقول بوضوح إن له قيما وحدودا أخلاقية، وإن الأسرة بالنسبة إليه ليست تفصيلا هامشيا، وإن تحويل الأحياء السكنية إلى فضاءات لممارسة الدعارة أو استغلال المنازل في أنشطة جنسية مخالفة للقانون أمر غير مقبول.
لكن الحسم في الوقائع لا يكون بالشائعات، وإنما بالتحقيق والأدلة. فإذا ثبت أن منزلا يستغل فعلا في الدعارة أو في أي نشاط مخالف للقانون، فالمطلوب هو تدخل الجهات المختصة ووقف هذه الممارسات وتطبيق القانون على أصحابها، أيا كانت هويتهم أو ميولهم.
أما أن تتحول الحرية الفردية إلى ذريعة لفرض سلوكيات على محيط سكني كامل، أو أن يصبح التطبيع مع المثلية والدعارة أمرا يراد تمريره تدريجيا داخل المجتمع، فهذا نقاش آخر، ومن حق المغاربة أن يرفضوه وأن يدافعوا عن منظومتهم الأسرية والدينية والثقافية دون تردد.
فالأحياء المغربية بنيت لتكون فضاءات للعيش وتربية الأبناء وحماية الأسرة، لا فضاءات مفتوحة لممارسة الدعارة أو استغلال المساكن في أنشطة جنسية. ويبقى المطلوب في مثل هذه الحالات هو تطبيق القانون والتحقق من الوقائع، حتى لا تتحول الأحياء السكنية إلى فضاءات تستغل بعيدا عن أعين الرقابة.




