سبحان مبدل الأحوال.. من «إعادة تربية المغاربة» إلى «أنا ولد هاذ المناطق»

سبحان مبدل الاحوال…
بالامس، كان عزيز اخنوش يتحدث الى المغاربة بلغة الوعود الكبيرة، حتى وصل الامر الى الحديث عن «اعادة التربية» وكأن المواطن المغربي هو المشكل الحقيقي في هذا البلد، وكأن المغاربة يحتاجون الى من يعيد تربيتهم، لا الى من يحسن ظروف عيشهم.
وبعد سنوات من الغلاء وارتفاع الاسعار وضغط المعيشة، يبدو ان «مشروع التربية» قد حقق نتائج باهرة فعلا، لكن ليس بالطريقة التي كان يتوقعها المغاربة. فقد تعلم المواطن كيف يحسب ثمن الزيت، وكيف يراقب سعر الخضر، وكيف يختار بين فاتورة الكهرباء ومصاريف الشهر، وكيف يعيش مع الغلاء وكأنه امتحان يومي في الصبر والتحمل.
لكن، سبحان مبدل الاحوال، ما ان اقترب موعد الانتخابات حتى تغيرت النبرة وتبدلت الصورة.
فجأة، لم يعد رئيس الحكومة ذلك السياسي الذي يخاطب المغاربة من فوق منصة الوعود، بل اصبح «ولد الشعب»، و«ولد المناطق النائية»، وانسانا عاديا «بحالكم»، يحس بمعاناة الناس ويعرف جيدا ماذا ينقصهم.
وفي الحوز، يصبح الخطاب اكثر حميمية: انا بحالكم، كبرت فبحال هاذ البلاصة، انا ولد هاذ المناطق النائية، حاس بيكم، وغادي نفتح المدرسة ونصلح المستوصف وغادي نعاونكم حيث كتستاهلو كل الخير.
يا سلام!
باقي غير يرجع يقول للناس: «حتى انا كنت كنمشي للمدرسة على الرجلين، وكنت كنتسنى دوري فالمستوصف» باش تكتمل الحكاية.
المشكلة ليست في ان يكون المسؤول قريبا من الناس، بل المشكلة في ان يتذكر الناس عندما تقترب صناديق الاقتراع، ثم يختفي هذا القرب بمجرد ان تنتهي الحملة.
فالمواطن لا يحتاج الى من يقول له «انا بحالك» فقط، بل يحتاج الى مدرسة موجودة فعلا، ومستشفى او مستوصفا يعمل فعلا، وطرقا محترمة، وفرص شغل، وخدمات عمومية تحفظ كرامته.
اما ان تتحول المعاناة الى مادة انتخابية، والمدرسة الى وعد انتخابي، والمستوصف الى ورقة في الخطاب، فهذه ليست سياسة اجتماعية، بل موسم جديد من مواسم الوعود.
الاغرب ان السياسي حين يحتاج الى صوت المواطن يصبح شبيها به في كل شيء: ولد الحومة، ولد المنطقة، ولد الشعب، ابن الفقراء، ابن البادية، وابن المناطق النائية.
لكن حين يصل الى السلطة، يبدو ان الذاكرة السياسية تصاب فجأة بمرض النسيان، فيختفي «انا بحالكم» وتظهر لغة الارقام والمشاريع والبرامج والمؤشرات.
المغربي اليوم لم يعد ساذجا كما كان. لقد عاش السنوات الماضية، دفع الفواتير، اشترى حاجياته من السوق، تابع الاسعار، رأى الوعود وهي تأتي وتذهب، وسمع الكلام نفسه في مواسم مختلفة.
ولهذا، فان عبارة «انا بحالكم» لم تعد كافية.
المواطن يريد ان يرى «بحالكم» في المدرسة التي تفتح، وفي المستوصف الذي يصلح، وفي الطريق التي تهيأ، وفي الشغل الذي يوفر، وفي الاسعار التي تخف، وفي الخدمات التي تحترم كرامته.
اما الانتخابات، فليست مناسبة لاكتشاف اصول السياسيين الاجتماعية، بل مناسبة ليحاسب المواطن من حكم ومن وعد ومن نفذ ومن اخلف.
وكما يقول المثل المغربي: «الديب كدوز عليه غير مرة وحدة».
اما المواطن المغربي، فقد سمع كثيرا من الحكايات، وشاهد كثيرا من الوعود، ولم يعد كل ما يسمعه يمر بسهولة.
سبحان مبدل الاحوال: بالامس كان المطلوب «اعادة تربية المغاربة»، واليوم اصبح المطلوب تذكيرهم بان رئيس الحكومة «ولد المناطق النائية».
ويبقى السؤال البسيط: واش المواطن باغي يعرف شكون نتا و فين كبرت، ولا باغي يعرف شكون خدم البلاد ووفى بالوعود؟




