المغرب

بين حسابات الانسجام الحكومي وهاجس الشارع المهني: من يدير الإيقاع السياسي فعلاً؟


أثار اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة عزيز أخنوش بجمعية هيئات المحامين بالمغرب نقاشاً يتجاوز شكله البروتوكولي ليصل إلى عمق طريقة اشتغال التحالف الحكومي نفسه. فبعيداً عن القراءة التي تختزل الحدث في “سوء تنسيق” مع وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يمكن النظر إلى ما جرى باعتباره لحظة كاشفة لاختلالات أعمق في ميزان القرار داخل الحكومة، حيث تتقاطع اعتبارات الدولة، وحسابات الأحزاب، وضغط الفاعلين المهنيين، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
اللقاء، في جوهره، لا يبدو موجهاً ضد وزير بعينه ولا يحمل بالضرورة نية إضعاف حزب الأصالة والمعاصرة داخل التحالف، بقدر ما يعكس توجهاً براغماتياً لدى رئيس الحكومة في التعاطي مع ملفات “حساسة انتخابياً”. فالمحامون، كفئة منظمة وقادرة على التأثير في الرأي العام، يمثلون جبهة لا يرغب أي رئيس حكومة في فتحها قبيل الانتخابات، خاصة في سياق اجتماعي يتسم بتوترات مهنية متكررة. من هذا المنظور، يمكن فهم اللقاء كخطوة استباقية لامتصاص الاحتقان، حتى وإن جاء ذلك على حساب أعراف التنسيق الحكومي الصارم.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن تجاوز وزير العدل في ملف اشتغل عليه لسنوات يطرح سؤالاً حول مفهوم التضامن الحكومي: هل هو تضامن سياسي شكلي، أم تضامن وظيفي يقوم على احترام الاختصاصات؟ هنا بالضبط يظهر التناقض. فالحكومة، حين صادقت على مشروع القانون داخل مجلسها، كانت قد حولته إلى “نص حكومي” لا يملكه وزير بعينه، لكن في الوقت نفسه، فإن إقصاء الوزير الوصي من تدبير مرحلة حساسة من النقاش يضعف موقعه السياسي داخل الأغلبية، ويغذي شعوراً بأن موازين القوة داخل التحالف ليست متكافئة.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فيبدو في هذه اللحظة حريصاً على الظهور بمظهر الحزب القادر على إدارة التوازنات لا على تفجيرها. فالدخول في صدام مباشر مع المحامين قد تكون كلفته السياسية أعلى بكثير من كلفة توتر محدود داخل الأغلبية، يمكن احتواؤه لاحقاً عبر البرلمان أو عبر قنوات التفاوض الحزبي. لذلك، فإن ما يبدو للبعض “تهميشاً” لحليف حكومي، قد يُقرأ في حسابات الحزب القائد كـ“تنازل تكتيكي” يهدف إلى حماية صورة الحكومة ككل.
هل نحن إذن أمام بداية تصدع في التحالف؟ المؤشرات لا توحي بانفجار وشيك، بل بمرحلة شدّ وجذب طبيعية في ائتلاف غير متجانس، حيث تختلف أولويات الأحزاب ومقارباتها. كما أن الحديث عن “محاولة إسقاط أولى” لحزب الأصالة والمعاصرة يبدو مبالغاً فيه، لأن إضعاف حليف أساسي في هذه المرحلة قد ينعكس سلباً على استقرار الحكومة نفسها، وهو ما لا يخدم أي طرف داخلها.
في المحصلة، يكشف هذا الحدث عن حكومة تُدار بمنطق تعدد مراكز القرار أكثر مما تُدار بمنطق الانسجام الصلب. وهو منطق قد ينجح مرحلياً في تفادي الصدامات الاجتماعية، لكنه يحمل في طياته مخاطر تراكم الاحتقان السياسي داخل الأغلبية. وبين هذا وذاك، يبقى البرلمان ساحة الاختبار الحقيقية: إما أن يتحول إلى فضاء لإعادة ضبط الإيقاع الحكومي، أو يصبح مسرحاً علنياً لتفريغ خلافات كان يمكن احتواؤها داخل المطبخ التنفيذي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى