المغرب

ستون دقيقة تصنع الاستقرار النفسي للمغاربة

ثم قالوا ماذا؟ قالوا إن العودة إلى التوقيت القانوني للمملكة، عبر حذف ستين دقيقة من الساعة الرسمية، ستُسهم في تعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي للمواطنين!

يا لها من معجزة سياسية وعلمية تستحق أن تدرس في الجامعات. فبعد سنوات طويلة من إقناع المغاربة بأن إضافة ستين دقيقة ضرورة اقتصادية وإدارية لا غنى عنها، وأنها جزء من متطلبات التحديث والاندماج في الاقتصاد العالمي، اكتشف أصحاب القرار فجأة أن حذف هذه الدقائق الستين هو الطريق إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي.

غير أن سؤالاً بسيطاً يفرض نفسه: إذا كانت هذه الساعة الإضافية مصدر اضطراب نفسي واجتماعي للمواطنين، فلماذا لم يتم إلغاؤها اليوم قبل الغد؟ ولماذا جرى تحديد تاريخ 20 شتنبر 2026 بالذات؟

إن المصادفة هنا تبدو شديدة السخاء. فموعد تنفيذ القرار يأتي قبل أيام قليلة فقط من موعد التصويت في الانتخابات. وكأن الحكومة تريد أن تمنح المواطنين هدية انتخابية مغلفة بعقارب الساعة.

فإذا كانت الساعة الإضافية ضارة بالمغاربة إلى هذا الحد، فإن المنطق يقتضي إزالتها فوراً. أما إذا كانت مفيدة كما قيل للمواطنين طوال السنوات الماضية، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: ما الذي تغير فجأة؟

والأغرب من ذلك أن الضرر النفسي والاجتماعي لا يستوجب الإلغاء اليوم، ولا يحتمل التأجيل إلى ما بعد الانتخابات، بل يحتاج بدقة متناهية إلى موعد يقع قبيل التوجه إلى صناديق الاقتراع. إنها دقة زمنية تستحق الإعجاب حقاً.

لكن، ولنفترض جدلاً أن حذف ستين دقيقة سيحقق فعلاً الاستقرار النفسي للمواطنين، فهل يمكن للحكومة أن تشرح للمغاربة لماذا لم تنجح في تحقيق الاستقرار نفسه عندما ارتفعت أسعار المواد الأساسية؟ وهل ستختفي آثار الغلاء بمجرد تحريك عقارب الساعة إلى الخلف؟

المواطن المغربي لا ينتظر حذف ستين دقيقة من يومه فقط، بل ينتظر حذف الزيادات التي أرهقت قدرته الشرائية وأثقلت كاهله. لا ينتظر تغيير التوقيت فقط بقدر ما ينتظر تغيير واقع الأسعار والفواتير وتكاليف المعيشة.

فإذا كانت الحكومة قادرة على إعادة ستين دقيقة إلى المواطنين، فليتها تعيد أيضاً ما فقدوه من قدرتهم الشرائية خلال السنوات الأخيرة. وإذا كانت حريصة على الاستقرار النفسي والاجتماعي، فالأجدر أن تبحث عن أسبابه الحقيقية في الأسواق والجيوب وفواتير الاستهلاك، لا في عقارب الساعات.

أما الحديث عن أن تأخير الساعة بستين دقيقة سيعيد الطمأنينة إلى نفوس المواطنين، فهو يشبه إقناع شخص أثقلته الديون بأن مشكلته الأساسية تكمن في ضبط منبهه على توقيت مختلف.

المغاربة لا يحتاجون إلى تأخير عقارب الساعة، بل يحتاجون إلى تأخير موجات الغلاء التي سبقت الجميع إلى جيوبهم. ولا يحتاجون إلى انقاص ستين دقيقة من الزمن فقط ، بقدر ما يحتاجون إلى استرجاع سنوات من الوعود التي ما زالت معلقة في انتظار التنفيذ.

وفي النهاية، قد يكتشف المواطن أن الشيء الوحيد الذي تأخر فعلا ليس الساعة الرسمية للمملكة، بل الوفاء بالوعود التي سمعها مراراً منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى