حين يصبح المسؤول الفاسد أخطر من المشهر الخارجي

قضية القاضي المتابع على خلفية شبهة التواصل والتخابر مع هشام جيراندو لا يجب قراءتها كخطأ بسيط يمر مرور الكرام فقط، بل كرسالة واضحة تؤكد أن الخطر الحقيقي أحياناً لا يأتي من الخارج، بل من بعض الأفراد الذين يتسللون إلى مواقع حساسة ثم يستغلونها لخدمة مصالح شخصية أو حسابات مشبوهة.
فهشام جيراندو معروف منذ سنوات بأسلوبه القائم على الإثارة والتشهير والابتزاز الرقمي، وبمحاولاته صناعة “البوز” عبر استهداف الأشخاص والمؤسسات ونشر المعطيات والتسريبات. لكن الأخطر من ذلك كله، هو وجود من يمده بالمعلومات أو يسهل له الوصول إلى معطيات يفترض أنها محمية بالقانون وأخلاقيات المهنة.
المشكلة إذن ليست في شخص يوجد خارج المغرب ويهاجم المؤسسات عبر مواقع التواصل، بل في بعض المسؤولين أو الموظفين الذين يسقطون في فخ المصالح أو الحسابات الشخصية أو الإغراءات، فيتحولون إلى أدوات تخدم أجندات مشبوهة من حيث يدرون أو لا يدرون.
وهنا تظهر أهمية اليقظة داخل المؤسسات، لأن الدولة تبقى قوية بمؤسساتها، لكن بعض الأشخاص قد يسيئون إلى هذه المؤسسات بتصرفاتهم الفردية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاعات حساسة يفترض فيها الانضباط والسرية واحترام القانون.
القضية الحالية تؤكد أيضاً أن لا أحد فوق المساءلة، وأن المسؤولية حين تتحول إلى وسيلة لخدمة شبكات التشهير أو تصفية الحسابات، تصبح خطراً على صورة المرفق العمومي وعلى ثقة المواطنين.
الرأي العام المغربي اليوم أصبح يميز بين الدولة كمؤسسات وبين بعض الأشخاص الذين قد يستغلون مواقعهم بشكل سيئ. ولذلك فإن محاربة الفساد أو الاختراق أو استغلال النفوذ لا تعني مهاجمة المؤسسات، بل على العكس، تعني حمايتها من الذين يسيئون إليها من الداخل.
كما أن هذه الملفات تكشف أن بعض من يقدمون أنفسهم كـ”ضحايا” أو “معارضين” لا يتحركون دائماً بدافع حرية التعبير، بل أحياناً ضمن شبكات مصالح قائمة على التسريبات والابتزاز وصناعة الفوضى الرقمية، مستفيدين من تواطؤ أو ضعف بعض المسؤولين.
وفي النهاية، تبقى المؤسسات أقوى من الأفراد، لأن الأشخاص يرحلون وتسقط أسماؤهم في أول اختبار، بينما تبقى الدولة قائمة بقوانينها وأجهزتها وقدرتها على تصحيح أخطاء بعض المنتسبين إليها.




