المغرب

حزب الاستقلال وعودة خطاب “محاربة الريع” بعد سنوات في قلب الحكومة

في مشهد سياسي يثير أكثر من علامة استفهام، خرج الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة بتصريحات يدعو فيها إلى سن قانون لتضارب المصالح، مؤكداً أنه “لا مكان في المغرب لثقافة الريع والهمزة”. تصريح يبدو في ظاهره حاداً وواضحاً، لكنه في عمقه يفتح باباً واسعاً للسؤال: كيف يتحول خطاب “محاربة الريع” إلى شعار يُرفع من داخل تجربة حكومية شاركت في تدبير نفس المرحلة التي يُنتقد فيها هذا الواقع؟

فالمفارقة التي لا تغيب عن المتتبعين، أن هذا الخطاب يأتي بعد خمس سنوات من المشاركة في الحكومة، حيث كان لحزب الاستقلال موقع داخل الأغلبية، بكل ما يعنيه ذلك من مسؤولية سياسية في القرارات الكبرى، سواء تعلق الأمر بالتشريع أو بمسارات محاربة الفساد أو حتى بتدبير السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

ومع ذلك، يعود اليوم خطاب “محاربة تضارب المصالح” وكأنه يُطلق من خارج التجربة لا من داخلها، وكأن السنوات الماضية كانت مجرد تفصيل جانبي في سيرة سياسية طويلة.

ولعل أكثر النقاط التي يستحضرها المنتقدون، هي لحظة سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، التي ارتبطت في النقاش العمومي بسياق حكومي معقد وتوازنات سياسية معروفة، حيث طُويت واحدة من أكثر الملفات حساسية في خطاب الشفافية دون أن تُستكمل مسارها التشريعي.

اليوم، يعود الخطاب ليؤكد على ضرورة محاربة الريع، في وقت يرى فيه كثيرون أن الفرصة كانت متاحة داخل الحكومة نفسها لتقوية هذه المقتضيات بدل الاكتفاء بتجديد الشعارات من موقع أصبح أقرب إلى التموقع السياسي منه إلى الفعل التنفيذي.

وفي خضم هذا التناقض، يستحضر البعض مثلاً مغربياً شائعاً يقول: “اللي ما عندوش القلب يديرو من النخلة”، وهو مثل يُستعمل للدلالة على من يتخلى بسهولة عن موقع القوة أو الكرامة، أو من يُنظر إليه على أنه فقد شيئاً من “ماء الوجه” في خضم التحولات وتبدل المواقف السياسية.

وفي السياق نفسه، يرى منتقدون أن بعض الخطابات السياسية تبدو وكأنها تعيد ترتيب نفسها بحسب الظرف السياسي، أكثر مما تعكس ثباتاً في الاختيارات أو استمرارية في تحمل المسؤولية، حيث يصبح نقد الواقع أسهل عندما يتم من داخل موقع أقل كلفة سياسياً مقارنة بمرحلة الفعل والتدبير.

وهكذا، يجد المواطن نفسه أمام مشهد مألوف: شعارات قوية تُرفع في الوقت المناسب، ومطالب بإصلاحات كبرى تُعلن بعد سنوات من إمكانية الاشتغال عليها من الداخل، بينما يظل السؤال الحقيقي معلقاً: هل يتعلق الأمر بتحول في القناعات؟ أم بإعادة تدوير للخطاب السياسي بما يناسب المرحلة القادمة؟

في كل الحالات، يبقى الحكم عند المواطن، الذي لم يعد يكتفي بسماع الشعارات، بل يقارنها تلقائياً مع التجربة، ومع الزمن السياسي الذي يمر دون أن يترك دائماً الأثر الذي تُوعد به الخطابات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى