حين يخرج النازيون من جحورهم…

أن تؤدي ناشطة إسبانية من اليمين المتطرف التحية النازية أمام سفارة المغرب، وأن تصف ما وقع في سبتة بـ”الغزو”، فذلك ليس مجرد استفزاز عابر، بل تعبير صريح عن خطاب عنصري يعيد إلى الواجهة أكثر الأفكار ظلامًا في التاريخ الأوروبي.
النازية ليست رأيًا سياسيًا، بل أيديولوجيا قامت على العنصرية والحروب والاحتلال والإبادة. لذلك، فإن رفع تحيتها أمام بعثة دبلوماسية مغربية لا يمثل إساءة للمغرب فقط، بل إهانة لكل القيم التي تدّعي أوروبا الدفاع عنها، من ديمقراطية وحقوق إنسان وتسامح.
المثير للسخرية أن بعض الأصوات الأوروبية لا تتوقف عن إعطاء الدروس للعالم في حقوق الإنسان، لكنها تلوذ بالصمت أو تتعامل بازدواجية عندما يتعلق الأمر بخطاب كراهية يستهدف المغرب أو العرب أو الأفارقة. فإذا كانت التحية النازية جريمة في أوروبا، فلتُطبق القوانين على الجميع، لا أن تتحول المبادئ إلى شعارات انتقائية.
أما وصف ما جرى في سبتة بـ”الغزو”، فهو محاولة لتزييف الواقع وتحويل مأساة إنسانية إلى مادة للتحريض السياسي. آلاف الشباب الذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا جيشًا غازيًا، بل بشرًا دفعتهم البطالة واليأس وانسداد الأفق إلى ركوب المجهول، مهما اختلفت الآراء حول ما أقدموا عليه.
والمفارقة المؤلمة أن المغرب يملك من الثروات الطبيعية، والموقع الجغرافي، والإمكانات البشرية، ما كان يؤهله لأن يكون من أقوى الاقتصادات في المنطقة، بل وأن ينافس دولًا أوروبية في مستوى العيش. لكن سنوات طويلة من سوء التدبير، والفساد، وإهدار الفرص، وغياب الحكامة، جعلت ملايين المغاربة يبحثون عن فرصة خارج وطنهم بدل أن يصبح وطنهم قبلة للباحثين عن العمل. ولو استُثمرت هذه الإمكانات كما يجب، لكان المشهد مختلفًا، ولكان كثيرون ممن يهاجمون المغرب اليوم يتمنون فرصة للإقامة والعمل فيه بدل التلويح بشعارات الكراهية.
قد يختلف المغاربة فيما بينهم حول السياسة والأحزاب والحكومات، لكن عندما يتحول الخطاب في الخارج إلى تمجيد للنازية والتحريض ضد المغرب، فإن الأمر لم يعد خلافًا سياسيًا، بل اعتداءً على كرامة وطن بأكمله.
إن أخطر ما في هذه الحوادث ليس تصرف شخص متطرف، بل البيئة التي تسمح لمثل هذا الخطاب بأن يخرج إلى العلن دون ردع حازم. فالتسامح مع العنصرية هو أول خطوة نحو تطبيعها، والصمت عن النازية لا يقل خطورة عن الترويج لها.
المغرب لا يحتاج إلى شهادات في الوطنية من أتباع الفكر النازي، ولا إلى دروس في الحضارة ممن يحيون رموز أكثر الأنظمة دموية في التاريخ. ومن يريد الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فليبدأ أولًا بإدانة النازية وخطاب الكراهية أينما ظهر، لأن من يبرر التحية النازية اليوم، قد يجد غدًا من يبرر ما هو أخطر منها.




