بين طموحات التنمية وتحديات الواقع.. الشغل والصحة والتعليم تظل أولويات المواطن

رغم التحولات الاقتصادية التي يشهدها المغرب، واستمرار إطلاق المشاريع الاستثمارية في عدد من القطاعات، ما تزال ملفات التشغيل والصحة والتعليم تحتل صدارة اهتمامات المواطنين، باعتبارها المؤشرات الأكثر ارتباطا بجودة الحياة ومستوى العدالة الاجتماعية.
فبالنسبة للشباب، يظل الحصول على فرصة عمل مستقرة يشكل المدخل الأساسي لبناء المستقبل. ورغم خلق مناصب شغل في قطاعات مختلفة، فإن سوق العمل ما زال يواجه تحديات ترتبط بارتفاع معدلات البطالة في بعض الفئات، خاصة بين حاملي الشهادات، إضافة إلى انتشار أشكال من التشغيل المؤقت أو الوظائف ذات الدخل المحدود، وهو ما يدفع العديد من الشباب إلى البحث عن فرص خارج البلاد.
أما في القطاع الصحي، فرغم الإصلاحات التي شهدتها المنظومة الصحية خلال السنوات الأخيرة، فإن عددا من المواطنين ما يزالون يواجهون صعوبات مرتبطة بالولوج إلى العلاج، سواء بسبب الاكتظاظ داخل المستشفيات العمومية، أو طول مواعيد الفحوصات والعمليات، أو الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات بعدد من المناطق، خاصة في العالم القروي.
ويظل التعليم بدوره في صلب الرهانات الوطنية، باعتباره الاستثمار الحقيقي في المستقبل. غير أن التحديات المرتبطة بجودة التعلمات، والهدر المدرسي، والفوارق بين المؤسسات التعليمية، تجعل الحاجة مستمرة إلى إصلاحات تضمن تكافؤ الفرص وتؤهل الأجيال القادمة لمتطلبات سوق الشغل المتغير.
كما أن تحسين هذه القطاعات لا يرتبط فقط بزيادة الاعتمادات المالية، وإنما أيضا بحسن الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقييم أثر البرامج العمومية على حياة المواطنين، بما يضمن تحقيق النتائج المرجوة على أرض الواقع.
ويرى مختصون أن التنمية الاقتصادية تكتسب معناها الحقيقي عندما تنعكس على الخدمات الأساسية، لأن المواطن يقيس نجاح السياسات العمومية بقدرته على الحصول على علاج في الوقت المناسب، وتعليم جيد لأبنائه، وفرصة عمل تحفظ كرامته، أكثر مما يقيسها بالمؤشرات الاقتصادية المجردة.
وفي هذا السياق، يشكل الاستثمار في الرأسمال البشري أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة، إذ إن بناء اقتصاد قوي لا ينفصل عن بناء مدرسة قوية، ومستشفى فعال، وسوق شغل يوفر فرصا حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين مواصلة الأوراش الاقتصادية الكبرى، والاستجابة للانتظارات اليومية للمواطنين. فكلما تحسنت الخدمات الأساسية، وارتفعت جودة التعليم، وتوسعت فرص الشغل، وتعزز الولوج إلى العلاج، أصبحت التنمية أكثر شمولا، وتحولت من مؤشرات اقتصادية إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية، وهو ما يمثل في النهاية الغاية الأساسية لأي مشروع تنموي ناجح.




