بين خطاب “المرونة” وواقع التوازنات… كيف عزز المغرب موقعه في نزاع الصحراء

في ظل تحولات دولية متسارعة، عادت قضية الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش عبر تصريحات صادرة عن البوليساريو توحي بوجود “فرصة” للتقدم نحو حل سلمي. غير أن هذا الخطاب، رغم ما يحمله من مفردات إيجابية، يكشف في عمقه عن محاولة للتكيف مع واقع جديد لم يعد في صالح الأطروحة الانفصالية.
فالمتتبع لمسار هذا النزاع يلاحظ أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في إحداث تحول نوعي في طريقة تدبير الملف، حيث انتقل من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، عبر طرح مشروع الحكم الذاتي كحل واقعي وقابل للتطبيق. هذا المقترح لم يعد مجرد رؤية وطنية، بل أصبح يحظى بدعم متزايد من قوى دولية وازنة، تنظر إليه كخيار يضمن الاستقرار في منطقة تعاني من هشاشة أمنية متصاعدة.
في المقابل، تجد البوليساريو نفسها أمام تحديات متراكمة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. فخطابها السياسي، رغم محاولات تجديده، لا يزال يدور في فلك شعارات تقليدية لم تعد تلقى نفس الصدى في السياق الدولي الحالي. كما أن التقارير المتداولة حول التوترات داخل المخيمات وتراجع السيطرة، تطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على الاستمرار كفاعل مؤثر.
أما الجزائر، التي تؤكد رسميًا أنها ليست طرفًا مباشرًا، فإن حضورها في خلفية المشهد يظل حاسمًا. فالكثير من المؤشرات تدل على أن مسار النزاع مرتبط بشكل وثيق بمواقفها السياسية، ما يجعل أي تقدم حقيقي نحو الحل رهينًا بمدى استعدادها للانخراط في مقاربة واقعية تتماشى مع التحولات الإقليمية والدولية.
وعلى مستوى الأمم المتحدة، لم يعد النقاش يركز على مبدأ الحل بقدر ما يركز على كيفية تنزيله. هذا التحول يعكس قناعة متزايدة داخل المنتظم الدولي بضرورة تجاوز حالة الجمود، والانتقال إلى حلول عملية، وفي مقدمتها الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره أرضية توافقية تضمن التوازن بين الواقعية السياسية ومتطلبات الاستقرار.
كما أن السياق الجيوسياسي في منطقة الساحل وشمال إفريقيا، بما يحمله من تحديات أمنية معقدة، جعل من استمرار هذا النزاع عامل تهديد إضافي، وهو ما يدفع العديد من الفاعلين الدوليين إلى دعم أي مبادرة من شأنها إنهاء هذا الملف بشكل نهائي.
في المحصلة، تبدو تصريحات “المرونة” الصادرة عن البوليساريو أقرب إلى رد فعل على الضغوط الدولية المتزايدة، أكثر من كونها تعبيرًا عن تحول استراتيجي حقيقي. وفي مقابل ذلك، يواصل المغرب تعزيز موقعه كطرف يمتلك رؤية واضحة ومدعومة، بينما تبقى الجزائر أمام اختبار سياسي حاسم بين الاستمرار في نفس النهج أو الانخراط في دينامية الحل.
وبين هذه المعطيات، يتضح أن كفة النزاع تميل تدريجيًا نحو الطرح المغربي، في ظل واقع دولي لم يعد يقبل بالحلول المؤجلة أو الشعارات غير القابلة للتطبيق.




