التغطية الصحية أم تغطية الأرقام؟

منذ سنوات، لا يكاد يمر خطاب حكومي دون الحديث عن “تعميم الحماية الاجتماعية” و”التغطية الصحية” باعتبارهما من أكبر الأوراش الاجتماعية في المغرب. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن بسيط جدا: إذا مرض الفقير ولم يجد ثمن العلاج، فماذا استفاد من كل هذه الشعارات؟
في كثير من الدول التي تعتمد أنظمة حماية اجتماعية متقدمة، يتحمل نظام التأمين الصحي الجزء الأكبر من تكاليف العلاج، وقد يصل الأمر بالنسبة للأشخاص ذوي الدخل المحدود أو العاطلين عن العمل إلى تغطية شبه كاملة، حتى لا يتحول المرض إلى حكم بالإعدام بسبب الفقر.
أما في المغرب، فالتصريحات الرسمية نفسها تشير إلى أن المواطن لا يزال يتحمل نسبة كبيرة من نفقات العلاج من ماله الخاص. وحتى إن أخذنا بالأرقام الرسمية التي تتحدث عن حوالي 54 في المئة، فإن ذلك يعني أن أكثر من نصف تكلفة العلاج تقع على عاتق المواطن. وهناك من يرى أن الواقع قد يكون أعلى من ذلك بالنسبة لكثير من الأسر، خصوصا مع تكاليف الأدوية والفحوصات والتنقل والعلاج خارج المستشفيات العمومية.
لكن السؤال الذي لا يجيب عنه أحد هو: ماذا يفعل المواطن الذي لا يملك حتى هذه النسبة؟
ماذا يفعل المتقاعد الذي لا يكفيه معاشه لأيام معدودة؟ ماذا تفعل الأرملة؟ ماذا يفعل العاطل عن العمل؟ هل يؤجل المرض حتى تتحسن ظروفه؟ هل يقترض؟ أم يبيع ما يملك؟ أم يستسلم للمرض لأنه لا يملك ثمن العلاج؟
المفارقة أن الدولة تتحدث عن تعميم الحماية الاجتماعية، بينما آلاف الأسر لا تزال تطلق حملات تبرع عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل إجراء عملية جراحية أو شراء دواء أو علاج طفل مصاب بمرض خطير. ولو كانت منظومة الحماية تؤدي دورها الكامل، لما اضطر المواطن إلى استجداء حقه في العلاج.
الأخطر من ذلك أن ضعف الحماية الاجتماعية لا ينعكس فقط على صحة المواطنين، بل يدفع كثيرا من الشباب إلى التفكير في الهجرة. فالشاب الذي يرى والده أو والدته عاجزين عن تحمل تكاليف العلاج، يشعر بأن الهجرة قد تكون الوسيلة الوحيدة لإنقاذ أسرته. ولهذا نجد آلاف المغاربة في الخارج يرسلون جزءا مهما من دخولهم لعلاج آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم، في حين يفترض أن يكون العلاج حقا مكفولا داخل الوطن.
إن نجاح أي نظام صحي لا يقاس بعدد البلاغات الحكومية ولا بعدد المؤتمرات الصحفية، بل يقاس بسؤال واحد: هل يستطيع المواطن البسيط أن يمرض دون أن يخشى الإفلاس؟
فالحق في العلاج ليس امتيازا يمنح للبعض، بل حق دستوري. وإذا بقي المواطن مضطرا إلى الاختيار بين شراء الدواء أو شراء الخبز، فإن الحديث عن التغطية الصحية سيظل بالنسبة لكثير من المغاربة مجرد عنوان جميل، لا يغير شيئا من واقعهم اليومي.




