المغرب

الفنيدق… حين يختار الشباب البحر بحثا عن وطن آخر

بقلم نصيرة أزندور

لم يعد شاطئ الفنيدق مجرد فضاء للاستجمام خلال فصل الصيف بل تحول في الأيام الأخيرة إلى مسرح لمشاهد تختلط فيها الأحلام بالخوف واليأس بالأمل والحياة بالموت. ولليوم الثالث على التوالي، تتواصل محاولات الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة حيث يخوض مئات الشباب بينهم قاصرون وفتيات مغامرة محفوفة بالمخاطر بعضهم يختار السباحة في عرض البحر، وآخرون يحاولون اجتياز المعبر الحدودي، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أعقد القضايا الاجتماعية التي يعيشها المغرب منذ سنوات.

ولم يعد هذا الحدث شأنا محليا، بل أصبح مادة رئيسية في وسائل الإعلام الإسبانية التي جعلت من الفنيدق وسبتة عنوانا بارزا في تغطياتها الإخبارية، إذ تابعت الصحف والقنوات والمنصات الرقمية الإسبانية تطورات الهجرة الجماعية ساعة بساعة ونقلت صور الشباب وهم يحاولون الوصول إلى سبتة سباحة كما سلطت الضوء على مشاركة القاصرين والفتيات وهو ما منح القضية بعدا إنسانيا أكبر وجعلها تتصدر عناوين الأخبار في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية وصول هؤلاء الشباب إلى الضفة الأخرى بل بما الذي دفعهم إلى رمي أنفسهم في البحر وهم يدركون أن الأمواج قد تكون نهاية حياتهم. فالشاب الذي يخاطر بحياته لا يهرب من البحر بل يهرب من واقع يشعر فيه بأن مستقبله أصبح مؤجلا إلى أجل غير معلوم.

فمشاعر الإحباط تزايدت لدى فئات واسعة من الشباب إضافة إلى شعور الكثيرين بأن فرص تحقيق الاستقرار أصبحت محدودة ومع مرور الوقت يتحول حلم الهجرة من مجرد فكرة إلى مشروع حياة، حتى وإن كان الثمن هو المجازفة بالحياة نفسها. وبالنسبة لكثير من هؤلاء لم تعد الهجرة مجرد رغبة في تحسين مستوى العيش، بل أصبحت محاولة للهروب من واقع يعتقدون أنه لم يعد يمنحهم فرصة لتحقيق أحلامهم أو بناء مستقبلهم.

ومن الناحية الإنسانية فإن أكثر ما يثير القلق هو مشاركة القاصرين والفتيات في هذه المحاولات، فحين يقرر طفل أو مراهق مواجهة البحر فإن ذلك يعكس حجم الأزمة النفسية والاجتماعية التي يعيشها، ويطرح أسئلة مؤلمة حول الأسباب التي تدفع هذه الفئة إلى تفضيل مواجهة أمواج البحر على البقاء في وطنها رغم ما يحمله ذلك من مخاطر قد تنتهي بالغرق.

وفي خضم هذه المشاهد المؤلمة تبدو الساحة السياسية المغربية منشغلة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة حيث تتسابق الأحزاب إلى تعزيز مواقعها وتقديم وعودها واستقطاب الناخبين استعدادا لمعركة رئاسة الحكومة المقبلة. وفي المقابل يفرض الواقع الذي يعيشه شباب الفنيدق سؤالا مؤلما: هل أصبحت معركة الوصول إلى السلطة أكثر حضورا في النقاش العمومي من معركة استعادة ثقة الشباب في وطنهم؟

فبينما تنشغل الأحزاب بخطاباتها وتحالفاتها وحساباتها الانتخابية يختار مئات الشباب طريقا آخر ليس نحو صناديق الاقتراع، بل نحو أمواج البحر مشهد يلخص المفارقة بين نقاش سياسي يتمحور حول من سيقود الحكومة المقبلة، وواقع اجتماعي يفرض سؤالا أكثر إلحاحا: كيف يمكن إقناع الشباب بالإيمان بمستقبلهم داخل وطنهم وهم يرون أن أقرب طريق إلى تحقيق أحلامهم هو الضفة الأخرى؟

إن ما يحدث اليوم في الفنيدق ليس مجرد خبر عابر بل صرخة اجتماعية تختزل معاناة جيل كامل يبحث عن نافذة أمل، فعندما يصبح البحر بكل مخاطره أقل رعبا من البقاء فإن ذلك يعكس حجم الإحساس بانسداد الأفق لدى جزء من الشباب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى