العدالة الاجتماعية وتوزيع ثمار التنمية.. حين يصبح المواطن المقياس الحقيقي للنجاح الاقتصادي

تعتبر العدالة الاجتماعية من أبرز الرهانات التي تواجه مختلف الاقتصادات الصاعدة، إذ لا يقتصر نجاح السياسات التنموية على تحقيق نسب نمو مرتفعة أو استقطاب استثمارات جديدة، وإنما يقاس أيضا بمدى استفادة مختلف فئات المجتمع من ثمار هذه الدينامية الاقتصادية.
وفي المغرب، ورغم ما تحقق من مشاريع كبرى في مجالات الصناعة والبنيات التحتية والاستثمار، لا يزال جزء من النقاش العمومي يركز على سؤال جوهري: هل تصل ثمار التنمية إلى جميع المواطنين بالقدر نفسه، أم أن آثارها ما تزال متفاوتة بين الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية؟
فالعديد من الأسر ما زالت تواجه صعوبات مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تعاني بعض المناطق من محدودية فرص الشغل وضعف النشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل مطلب العدالة المجالية والاجتماعية حاضرا بقوة في مختلف النقاشات المرتبطة بالتنمية.
ويرى عدد من الخبراء أن النمو الاقتصادي يصبح أكثر فعالية عندما ينعكس على تحسين الدخل، وتقليص الفوارق، وتوسيع الطبقة المتوسطة، وتوفير خدمات عمومية ذات جودة في التعليم والصحة والنقل، لأن هذه العناصر هي التي تمنح المواطن إحساسا بأن التنمية أصبحت جزءا من حياته اليومية.
كما يطرح موضوع توزيع الثروة تحديات مرتبطة بقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة يستفيد منها الجميع، وليس فقط بعض القطاعات أو الفاعلين الاقتصاديين. فكلما اتسعت دائرة المستفيدين من النمو، ارتفعت مستويات الاستقرار الاجتماعي وتعززت الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية.
ويؤكد مختصون أن الاستثمار في الرأسمال البشري يظل أحد أهم أشكال توزيع ثمار التنمية، من خلال تحسين جودة التعليم، وتأهيل الشباب لسوق الشغل، والرفع من جودة الخدمات الصحية، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها من أكبر مصادر خلق فرص العمل.
كما أن العدالة الاجتماعية لا ترتبط فقط بالدخل، بل تشمل أيضا تكافؤ الفرص، والولوج المتساوي إلى الخدمات الأساسية، وضمان ظروف عيش تحفظ كرامة المواطنين، سواء في المدن أو في العالم القروي، بما يساهم في تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية أكثر توازنا.
وتفرض التحولات الاقتصادية العالمية بدورها مراجعة عدد من السياسات الاجتماعية، بما يضمن حماية الفئات الهشة من آثار التضخم وتقلبات الأسواق، مع تعزيز برامج الدعم الموجهة للفئات الأكثر احتياجا، وتشجيع المبادرات التي تخلق دخلا مستقرا ومستداما.
وفي النهاية، تبقى العدالة الاجتماعية أحد أهم معايير نجاح أي نموذج تنموي. فالمواطن لا يقيس التنمية بحجم الاستثمارات أو المشاريع الكبرى فقط، بل بمدى تحسن مستوى معيشته، وتوفر فرص الشغل، وجودة الخدمات التي يستفيد منها، وشعوره بأن ثمار النمو الاقتصادي توزع بشكل أكثر إنصافا، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويجعل التنمية مكسبا مشتركا لجميع المغاربة.



