أكثر من 40 جثة… والحكومة تتقن فن الصمت!

بينما يواصل البحر لفظ جثث المغاربة الذين ابتلعتهم أمواجه خلال محاولات الهجرة، تجاوز عدد الضحايا الأربعين، في واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً. ومع ذلك، لا تزال حكومة “الكفاءات” تتصرف وكأن الأمر لا يعنيها، فلا خطاب مسؤول، ولا كلمة مواساة صادقة، ولا اعتذار للشعب عن السياسات التي دفعت شباباً إلى تفضيل المجهول على البقاء في وطنهم.
المشهد صادم بكل المقاييس. أسر مكلومة تبحث عن أبنائها بين قوائم المفقودين والجثث، وشباب فقدوا الأمل في مستقبل داخل بلدهم، فيما تواصل الحكومة الاختباء خلف لغة الأرقام والمؤشرات والتقارير المنمقة التي ترسم مغرباً مثالياً لا وجود له إلا في البلاغات الرسمية.
يتحدثون عن نسب النمو، وعن فرص الشغل، وعن الإنجازات الكبرى، بينما الواقع يجيبهم بصور عشرات الشبان الذين خاطروا بحياتهم سباحة نحو الضفة الأخرى. أي تقرير يمكنه أن يخفي هذه الحقيقة؟ وأي رقم وردي يستطيع أن يمحو مشهد أم تنتظر عودة ابنها الذي ابتلعه البحر؟
المأساة ليست مجرد حادث عرضي، بل هي إنذار خطير يكشف حجم اليأس الذي يتغلغل في صفوف الشباب. فعندما يتحول البحر إلى خيار أفضل من اليابسة، فذلك يعني أن الأزمة أعمق بكثير من كل الشعارات التي ترفعها الحكومة.
الأكثر إيلاماً ليس فقط عدد الضحايا، بل ذلك الصمت الرسمي المطبق، وكأن أرواح المغاربة أصبحت أرقاماً هامشية لا تستحق حتى بياناً يرقى إلى حجم الكارثة. حكومة سارعت في مناسبات عديدة إلى الاحتفاء بكل “إنجاز”، لكنها تبدو اليوم عاجزة حتى عن الاعتراف بحجم الفشل الذي أوصل البلاد إلى هذا المشهد المأساوي.
إن احترام كرامة المواطنين يبدأ بالاعتراف بمعاناتهم، لا بتجميل الواقع أو الهروب إلى لغة الإحصائيات. فالجثث التي يعيدها البحر لا تكذب، وصراخ العائلات الثكلى أقوى من كل البلاغات، وسيبقى السؤال معلقاً: كم يحتاج الأمر من الضحايا حتى تدرك الحكومة أن الأرقام الحقيقية ليست تلك التي تعرضها في تقاريرها، بل تلك التي يعدها البحر كل يوم؟




