المغرب

من الحركة إلى الأحرار ثم إلى “البام”.. حين يتحول الانتماء الحزبي إلى اشتراك قابل للتجديد!

في السياسة المغربية، يبدو أن بعض المنتخبين اكتشفوا أخيراً أن الانتماء الحزبي ليس قناعة فكرية ولا مشروعاً سياسياً، بل مجرد محطة مؤقتة في رحلة البحث عن “أفضل عرض انتخابي”. وما إن تقترب الاستحقاقات حتى تبدأ الهجرة الموسمية من حزب إلى آخر، وكأن الأمر يتعلق بفترة الانتقالات في كرة القدم.

أحدث الفصول بطلةُ الرواية فيه البرلمانية زينب السيمو التي أعلنت، بكل ثقة، أن انتقالها من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة ليس سوى “تجربة جديدة” و”استكمال لمسار النضال”. عبارة جميلة، لولا أنها جاءت بعد سنوات من الإشادة بالحزب السابق والدفاع عنه باعتباره الخيار الأمثل، قبل أن يصبح فجأة مجرد محطة في طريق البحث عن أفق جديد.

اللافت أن كلمة “النضال” أصبحت الأكثر استعمالاً في مثل هذه البلاغات. فكل انتقال حزبي يتحول إلى “مواصلة للنضال”، وكل تغيير في اللون السياسي يصبح “رؤية متجددة”، بينما يبقى المواطن حائراً: هل تغيرت المبادئ فعلاً، أم تغيرت فقط الحسابات؟

المثير أكثر أن السياسي عندنا لا يغادر حزبه لأنه اختلف مع برنامجه أو توجهاته أو مواقفه، بل لأنه يريد، كما يقول، “اكتساب تجارب جديدة”. وكأن الأحزاب شركات للتدريب المهني، أو برامج للتبادل الثقافي، ينتقل فيها المناضل من مؤسسة إلى أخرى لجمع الخبرات، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى محطة جديدة إذا اقتضت الضرورة.

أما مواقع التواصل الاجتماعي، فلم تفوت الفرصة. فقد انهالت التعليقات الساخرة، معتبرة أن الرحلة من الحركة الشعبية إلى التجمع الوطني للأحرار ثم إلى الأصالة والمعاصرة لا تعكس تطوراً فكرياً بقدر ما تعكس مهارة في اختيار القطار الذي يبدو أكثر حظاً في الوصول إلى محطة البرلمان.

ففي نظر كثيرين، لم يعد السؤال: “إلى أي حزب ينتمي السياسي؟”، بل أصبح: “إلى أي حزب سينتقل في الموسم المقبل؟”. حتى إن بعض المعلقين اقترحوا إنشاء “بطاقة ولاء” تمنح نقاطاً مع كل انتقال حزبي، يستبدلها صاحبها لاحقاً بمقعد مضمون أو تزكية مريحة.

المفارقة أن المواطن ما زال يُطلب منه الإيمان بالبرامج والشعارات، بينما يرى بأم عينه كيف تتبدل الألوان الحزبية بسهولة، في الوقت الذي تبقى فيه الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والوعود نفسها، ولا يتغير سوى الشعار المطبوع على اللافتة.

في النهاية، قد يكون من حق أي سياسي أن يغير انتماءه، فهذا يكفله القانون. لكن من حق المواطن أيضاً أن يتساءل: إذا كانت الأحزاب مجرد محطات عابرة، فأين تقيم القناعات؟ وهل أصبح “النضال” مرادفاً للتنقل بين الألوان السياسية، أم أن البوصلة الحقيقية لا تزال تشير دائماً إلى المقعد الانتخابي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى