المغرب

مصطفى الرميد.. عندما تصبح المبادئ شيئا آخر في الممارسة

مصطفى الرميد ليس مجرد محام عاد إلى ردهات المحكمة، ولا مجرد وزير عدل وحريات سابق اختار أن يتخذ موقفا من إضراب المحامين، بل هو رجل سياسي وحقوقي راكم لسنوات خطابا حول المبادئ والديمقراطية واحترام المؤسسات والاحتكام إلى الأغلبية، ولذلك فإن ما قام به اليوم لا يمكن أن يقرأ بمعزل عن تاريخه ومواقفه السابقة، خصوصا أن الرجل نفسه عندما اختلف مع حزبه السابق، حزب العدالة والتنمية، لم يتردد في إعلان أن هناك أمورا لم تعد تنسجم مع قناعاته، وأن الاختلاف أصبح عميقا إلى درجة دفعته إلى الانسحاب، وهو موقف احترمه كثيرون باعتباره تعبيرا عن استقلالية القرار وحرية القناعة، لكن المشكلة تبدأ عندما نضع هذا الموقف إلى جانب ما يجري اليوم داخل الجسم المهني للمحامين، حيث اختار الرميد الوقوف ضد استمرار الإضراب، بل ظهر داخل المحكمة رفقة عدد من المحامين الذين عادوا إلى ممارسة عملهم، في وقت تستمر فيه الهيئات المهنية في خوض معركتها، وهنا يصبح السؤال مشروعا: ماذا نسمي هذا الموقف؟

مرة أخرى، لسنا بصدد مناقشة ما إذا كان إضراب المحامين صائبا أم خاطئا، ولا ما إذا كانت مطالبهم عادلة أم مبالغا فيها، فهذه قضية أخرى قابلة للنقاش والحوار والأخذ والرد، وإنما نحن أمام سؤال يتعلق بالمبدأ نفسه: كيف يتعامل الإنسان مع قرار جماعي عندما يجد نفسه في موقع الأقلية؟ فالديمقراطية التي تحدث عنها الرميد طويلا لا تعني فقط أن يكون من حق الفرد أن يعبر عن رأيه، وإنما تعني أيضا أن يقبل بنتيجة القرار الجماعي عندما لا تتوافق مع رأيه، وأن يسعى إلى تغييرها من داخل المؤسسات، لا أن يتعامل معها وكأن القناعة الشخصية تمنحه حق تجاوزها. فإذا كان آلاف المحامين قد اختاروا خوض معركة مهنية عبر مؤسساتهم، فمن حق أي محام أن يقول إن الإضراب لم يعد مفيدا، ومن حقه أن يدافع عن هذا الموقف، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل احترام الديمقراطية يعني أن تحترم الأغلبية فقط عندما تكون مقتنعة بما أنت مقتنع به، أم أن الديمقراطية الحقيقية تبدأ تحديدا عندما تكون أنت في الأقلية؟

وهنا تظهر المفارقة بشكل أكبر عندما نتذكر تجربة الرميد داخل العدالة والتنمية، فالرجل الذي اختار الانسحاب من الحزب عندما وجد نفسه في اختلاف مع بعض مواقفه وتوجهاته كان يقول، بشكل أو بآخر، إن القناعة الشخصية يمكن أن تصبح أقوى من الانتماء التنظيمي، وهذا حقه ولا أحد ينازعه فيه، لكن المنطق نفسه يطرح سؤالا معاكسا اليوم: إذا كان الاختلاف مع الأغلبية داخل حزب يمكن أن يقود إلى الانسحاب، فلماذا لا يكون الاختلاف مع الأغلبية داخل هيئة مهنية مناسبة للالتزام بالقرار الجماعي إلى أن يتم تغييره عبر القنوات المؤسساتية؟ لماذا تصبح القناعة الشخصية في لحظة معينة مبررا للخروج من التنظيم، ثم تصبح في لحظة أخرى مبررا لمواجهة قرار جماعي من الداخل؟ هنا لا يتعلق الأمر بتجريم الاختلاف، وإنما بكشف التناقض بين خطاب المبادئ وممارسة المبدأ عندما يكون صاحبه في الجهة الأخرى من القرار.

والأكثر إثارة أن الأمر لا يتعلق بمحام مجهول اختار موقفا مخالفا، وإنما بشخصية لها وزن رمزي وسياسي ومهني، وبالتالي فإن أي خطوة يقوم بها تحمل دلالات تتجاوز صاحبها، خصوصا عندما تأتي في قلب معركة مهنية واسعة. ظهور الرميد داخل المحكمة إلى جانب محامين اختاروا العودة إلى العمل يمكن أن يفهم باعتباره مجرد تعبير عن موقف شخصي، ويمكن أيضا أن يقرأ باعتباره تشجيعا على تجاوز قرار الإضراب، لكن في الحالتين يبقى السؤال قائما: أين تنتهي حرية الفرد في الاختلاف وأين يبدأ احترام القرار الجماعي؟ لأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحول إلى مجرد حق دائم في مخالفة الأغلبية، وإلا أصبح كل قرار جماعي مجرد اقتراح قابل للتنفيذ أو الرفض حسب قوة كل فرد وتأثيره.

والرميد يعرف جيدا معنى المؤسسات، ويعرف أن النقابات والهيئات والجمعيات والتنظيمات السياسية لا يمكن أن تستقيم إذا أصبح كل عضو يعتبر أن قناعته الخاصة أعلى من القرار الجماعي، ولذلك فإن ما يقع اليوم يضع الرجل أمام اختبار حقيقي، ليس أمام خصومه السياسيين، وإنما أمام خطابه السابق نفسه. فالذي تحدث عن الديمقراطية عندما كان داخل حزب العدالة والتنمية، والذي جعل من الاختلاف مع بعض الخيارات سببا لمغادرة الحزب، والذي دافع عن القناعة والمبدأ، يجد نفسه اليوم مطالبا بأن يجيب عن سؤال بسيط لكنه محرج: هل المبادئ تبقى نفسها عندما يتغير موقع صاحبها؟

والسؤال يصبح أكثر إلحاحا عندما نستحضر مواقف أخرى للرميد في النقاش العمومي، ومنها طريقة تعاطيه مع الجدل الذي رافق تصريحات الفايد حول الخوض في الرموز الدينية المقدسة. قد تبدو القضية مختلفة تماما عن قضية إضراب المحامين، وهذا صحيح، لكن الرابط الذي يستحق النقاش ليس موضوع القضيتين، وإنما طريقة التعامل مع الاختلاف وحدود القناعة الشخصية أمام منظومة أوسع من القواعد والسياقات والمؤسسات. ففي الحالتين نجد أنفسنا أمام سؤال واحد: هل يكفي أن أكون مقتنعا بموقفي حتى يصبح من حقي أن أتعامل مع موقف الجماعة أو المؤسسة باعتباره أقل قيمة من قناعتي؟ أم أن القناعة، مهما كانت قوية، تظل مطالبة باحترام قواعد المجال الذي تتحرك داخله؟

لا أحد يطلب من الرميد أن يقتنع بما لا يقتنع به، ولا أحد يستطيع أن يصادر حقه في القول إن إضراب المحامين خطأ أو أن الاستمرار فيه لا يخدم مصلحة المتقاضين، بل إن الاختلاف حق أصيل، لكن المشكلة ليست في الاختلاف وإنما في طريقة ممارسته. فهناك فرق كبير بين أن تقول للأغلبية: “أنا أختلف معكم وسأعمل على إقناعكم”، وبين أن تقول لها عمليا: “أنا أرى أنكم مخطئون ولذلك سأتصرف بعكس قراركم”. الأول ممارسة ديمقراطية، أما الثاني فيفتح الباب أمام سؤال الوصاية على قرار الأغلبية.

ولذلك فإن قضية الرميد اليوم ليست قضية إضراب فقط، وإنما قضية مبدأ. فإذا كان القرار الجماعي خاطئا، فليتم تغييره بالنقاش والمؤسسات، وإذا كانت الأغلبية مخطئة، فلتتم محاصرة الخطأ بالحجة والإقناع، أما أن يصبح اختلاف الفرد مبررا لتفكيك موقف الجماعة، فهنا تصبح الديمقراطية مجرد شعار جميل نردده عندما يخدمنا وننساه عندما يقف في طريق قناعتنا.

لقد احترم كثيرون الرميد عندما اختلف مع حزبه واختار طريقه الخاص، لأن الاختلاف حق، لكن احترام الاختلاف لا يعني إعفاء صاحبه من النقد عندما تصبح ممارسته نفسها موضوعا للنقاش. ومن حق الناس اليوم أن يسألوا: أين هي المبادئ التي تحدث عنها الرميد بالأمس؟ أين هو احترام قرار الأغلبية؟ وأين هو ذلك الفهم للديمقراطية الذي يجعل الإنسان يقبل بنتيجة النقاش حتى عندما تكون في غير صالحه؟

في النهاية، لا نحتاج إلى شيطنة مصطفى الرميد ولا إلى إصدار حكم أخلاقي عليه، ولا نحتاج أيضا إلى الدفاع عن إضراب المحامين وكأنه موقف مقدس، بل يكفي أن نضع الماضي أمام الحاضر ونترك الوقائع تتحدث. فالمبادئ لا تختبر عندما تكون في صالحنا، وإنما عندما تصبح عبئا على قناعتنا، والديمقراطية لا تختبر عندما تكون الأغلبية معنا، وإنما عندما تكون ضدنا، وهنا بالضبط يصبح السؤال موجها إلى الرميد وإلى كل من يرفع شعار الديمقراطية: هل نحترم الأغلبية لأنها أغلبية، أم نحترمها فقط عندما تقول ما نريد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى