محمد شوكي يتحدث عن الإنجازات: إقليم بولمان نموذجا

خرج السيد محمد شوكي ليخبر المغاربة بأن السياسة لا تُقاس بالشعارات، بل بالإنجازات والنتائج على أرض الواقع. كلام جميل، أنيق، يصلح أن يُكتب بخط الثلث ويُعلق في قاعات الندوات المكيفة.
لكن يبدو أن السيد الرئيس يتحدث عن “أرض واقع” أخرى غير تلك التي نعرفها نحن.
ففي بولمان، مثلاً، لا يزال المواطن يبحث عن بعض أبسط شروط التنمية كما يبحث عالم آثار عن ديناصور حي. الطرق تئن، والبطالة تتجول بحرية أكبر من المسؤولين، والخدمات الأساسية تحتاج أحياناً إلى معجزة إدارية أكثر مما تحتاج إلى ميزانية.
لذلك عندما يحدثنا السيد شوكي عن “النتائج”، ينتابنا فضول علمي مشروع: أين توجد هذه النتائج؟ هل هي مخفية تحت الأرض؟ أم أنها إنجازات بتقنية الجيل الخامس لا تراها إلا الهواتف المتطورة؟ أم ربما سكان بولمان يعيشون في الإقليم الخطأ بينما الإنجازات تعيش في إقليم افتراضي موازٍ لا يظهر إلا خلال الحملات الانتخابية والندوات الحزبية؟
الغريب أن المسؤولين عندنا يمتلكون موهبة نادرة؛ فكلما ازدادت معاناة الناس ازدادت التقارير وردية، وكلما اشتكى المواطن ارتفعت نسبة “النجاحات التاريخية”. حتى أصبح المواطن يشك أحياناً في نفسه: ربما هو الذي يعيش الفقر بالخطأ، وربما الطريق المليئة بالحفر مجرد خداع بصري، وربما المستشفى الذي يفتقد التجهيزات هو في الحقيقة مستشفى عالمي لكنه يتخفى في هيئة مركز صحي متواضع.
يقولون إن السياسة هي فن الممكن، لكن بعض السياسيين طوروا النظرية فأصبحت السياسة عندهم فن إقناع الناس بأن المستحيل قد تحقق بينما الواقع يصرخ بالعكس.
أما بولمان، هذه الأرض التي تلقت الكثير من الوعود من طرفه أكثر مما تتلقى المشاريع، فقد تعبت من سماع الخطب التي تتحدث عن التنمية وكأنها وصلت منذ زمن، بينما المواطن لا يزال ينتظرها في محطة الوصول.
ولذلك، فإن أفضل تعليق على حديث الإنجازات ليس المعارضة ولا الجدل، بل جولة قصيرة بين الدواوير والقرى والأحياء الهامشية. هناك فقط يمكن قياس السياسة بالنتائج، لا بعدد الميكروفونات ولا بحجم التصفيق.
فالكذب على الأموات قد يمر أحياناً دون رد، أما الكذب على الأحياء فمشكلته أن الأحياء ما زالوا يرون، ويسمعون، ويتذكرون.




