المغرب

فواجع الأسرة في المغرب.. أسئلة مؤجلة عن الصحة النفسية وأسباب الانهيار الانهيار

تعود الجرائم الأسرية بين الفينة والأخرى إلى واجهة النقاش المجتمعي في المغرب، حاملة معها مآسي إنسانية يصعب استيعابها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأطفال يفقدون حياتهم داخل الفضاء الذي يفترض أن يوفر لهم الحماية والأمان. والفاجعة التي شهدتها مدينة سلا، وفق المعطيات المتداولة، بعدما أقدمت أم على إنهاء حياة طفليها قبل أن تنهي حياتها بدورها، ليست مجرد واقعة جنائية تستدعي البحث في ظروفها وملابساتها، بل هي أيضا مناسبة لطرح أسئلة عميقة حول التحولات النفسية والاجتماعية التي قد تقف وراء بعض المآسي الأسرية.

إن السؤال الذي ينبغي أن يتجاوز حدود الصدمة والتعاطف هو: ما الذي يدفع إنسانا إلى ارتكاب فعل بهذه الخطورة في حق أطفاله؟ وهل نمتلك في المغرب ما يكفي من الدراسات والأبحاث لفهم مثل هذه السلوكيات، أم أننا نكتفي بمتابعة تفاصيل الجرائم بعد وقوعها، ثم نطوي صفحاتها إلى حين وقوع مأساة جديدة؟ لا يمكن بطبيعة الحال افتراض دافع محدد في حادثة سلا قبل انتهاء التحقيقات، كما لا يجوز إرجاع هذه الوقائع تلقائيا إلى المرض النفسي، لأن العوامل التي قد تتداخل في مثل هذه الحالات متعددة، وقد تشمل اضطرابات نفسية حادة، أو ضغوطا أسرية واجتماعية، أو تاريخا من العنف والعزلة، أو ظروفا إنسانية معقدة لا تظهر بالضرورة إلى المحيط الخارجي.

لكن تكرار بعض المآسي الأسرية يفرض علينا التساؤل عن موقع علم النفس والطب النفسي وعلم الاجتماع في النقاش العمومي المغربي. أين هي الأبحاث الميدانية التي تدرس هذه الظواهر؟ وهل تعمل الجامعات ومختبرات البحث على تتبع الحالات التي تنتهي بمقتل الأطفال أو انتحار أحد الوالدين، وتحليل خلفياتها النفسية والاجتماعية، واستخلاص المؤشرات التي يمكن أن تساعد على الوقاية؟ إن البحث العلمي لا ينبغي أن يظل محصورا في الدراسات النظرية أو الأبحاث الأكاديمية التي لا تجد طريقها إلى السياسات العمومية، بل يفترض أن يتحول إلى أداة لفهم المجتمع واستباق المخاطر التي تهدد استقراره.

وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نستحضر التحديات التي يعرفها قطاع الصحة النفسية في المغرب، سواء من حيث عدد الأطر المتخصصة أو توزيع الخدمات أو قدرة المواطنين على الوصول إلى العلاج والمواكبة. فالصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها شأنا ثانويا أو موضوعا يثير الحرج الاجتماعي. كما أن المعاناة النفسية ليست دائما ظاهرة للآخرين، فقد يعيش الإنسان وسط أسرته ومحيطه المهني والاجتماعي وهو يخوض صراعا داخليا لا ينتبه إليه أحد، وهو ما يجعل التوعية والتشخيص المبكر وتيسير طلب المساعدة عناصر أساسية في أي سياسة وقائية.

ومن الضروري أيضا الالتفات إلى الصحة النفسية للنساء والأمهات، خصوصا خلال فترات الحمل وما بعد الولادة، إذ قد تعرف بعض النساء اضطرابات نفسية تحتاج إلى تشخيص ومتابعة متخصصين. ولا يعني ذلك أن هذه الاضطرابات تقود إلى العنف أو قتل الأطفال، فالغالبية الساحقة من النساء اللواتي يعانين منها لا يشكلن خطرا على أطفالهن، لكن تجاهل المعاناة النفسية وغياب المواكبة قد يحول بعض الحالات إلى أوضاع شديدة الخطورة تستدعي تدخلا طبيا عاجلا.

إن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الأطباء وحدهم، بل تشمل المؤسسات الصحية والاجتماعية والتربوية، والجامعات، ومراكز الاستماع، ومؤسسات حماية الطفولة، إلى جانب الإعلام الذي يفترض أن يتجاوز نقل تفاصيل الجرائم إلى مساءلة أسبابها وتقديم معرفة علمية تساعد الأسر على التعرف على المؤشرات المقلقة وطلب المساعدة. كما أن بناء قاعدة بيانات وطنية حول الجرائم الأسرية، وتحليل ظروفها، وإشراك الباحثين والمتخصصين في تقييمها، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية.

إن ما حدث في سلا يستحق أن يكون مناسبة لفتح نقاش جدي حول الصحة النفسية في المغرب، وحول مدى حضور البحث العلمي في معالجة الظواهر الاجتماعية المقلقة. فليس كافيا أن نستنفر المصالح الأمنية بعد وقوع المأساة، بل ينبغي أن نسأل أيضا عما إذا كانت هناك آليات قادرة على رصد الحالات الهشة ومواكبتها قبل بلوغ مراحل الانهيار. إن حماية الأسرة لا تبدأ عند وقوع الجريمة، بل تبدأ من الاهتمام بالإنسان، والإنصات لمعاناته، وتوفير العلاج والدعم، وإدراك أن الوقاية النفسية والاجتماعية مسؤولية مجتمعية ومؤسساتية مشتركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى