أقلام حرة

عزيمة ، بمستوى الهزيمة.. (2)

playstore

 

عاد أخيرا إلى البيت قبيل الغروب، بعد يوم شاق. عالج قفل الباب ليفتحه بيد مرتجفة، وعاد يتثاءب بقوة كما ظل يفعل طوال اليوم، وبعض الدموع الساخنة تنحدر على صفحة وجهه. أغلق الباب بصعوبة كبيرة، وبذل مجهودا خارقا ليصل إلى الفراش، رمى بالكتب فوق المنضدة فوقع بعضها على إحدى القنينات لتتكسر بدوي هائل جعله يقفز رغم عيائه.. لم يفكر في إزالة حذائه. ولم يجد الوقت لذلك أو الجهد، فتمدد على الفراش. وقد تذكر أنه لم يؤد ركعة واحدة طيلة اليوم. فأحس بحمل ثقيل وبعدم رضى عن نفسه خصوصا في الآونة الأخيرة. فأغمض عينيه حتى يسلم من التبكيت، وغط في نوم عميق.

pellencmaroc

   أخذ يركض بسرعة كبيرة. ودقات قلبه ترتفع رويدا رويدا، وقد أصيب بهلع شديد، والثعبان الأسود الضخم خلفه لا يزيد إلا اقترابا منه، رغم محاولاته اليائسة للفرار.. صرخ بقوة عظيمة مع لدغة الثعبان، ثم استفاق دفعة واحدة على صوت طرقات خافتة نبهته من نومه. فاعتدل جالسا وهو يلهث بشدة.. ومر وقت طويل قبل أن يعود إليه الهدوء شيئا فشيئا، ليتخلص من آثار الكابوس المزعج.. عادت الطرقات هذه المرة أكثر عنفا تعيده إلى الواقع، فانتفض بقوة، وحاول طرد الدوار العنيف، وهو ينهض متبرما لفتح الباب.

   تسمر في مكانه وهو يطالع صديقي الأمس واقفين في الفراغ الضيق أمام الباب، ألجمته المفاجأة ووقف جامدا يحدق فيهما بجمود ويتطلع بدهشة إلى الكيس الأسود الذي يحمله أحدهما.  كسر أحد القادمين جمود الموقف، وتجاوز الإحراج وهو يدخل الحجرة ساخرا من صاحبها في مجون.. فوقف هذا الأخير حائرا أمام هذا الاقتحام غير اللبق، وقد أحنقه كثيرا أن فشل في أول مواجهة، وأحس أنه لم يكن مستعدا لها على الإطلاق وقد ألجمته المفاجأة، فخارت قواه وعاوده الصداع العنيف فشعر برأسه يكاد ينفجر، ثم جلس قبالة الوافدين مكرها وقد استشعر بوادر الهزيمة، مع قوة الإغراء، فزال الحرج تدريجيا مع تشعب الحديث. وانحصرت كؤوس  الشراب بين القادمين في البدية، ثم دارت على الجميع آخر الليل، بعد مجهود مشترك بين شيطان الإنس والجن. وتعالت قهقهات عالية من الحجرة تتخللها ضحكات الشيطان..

   انصرف الخلان، مع صوت الآذان.. وعلى وقع كلمة لا إله إلا الله، تبعهم الشيطان.. وبقي صاحب الحجرة مهزوما تقرعه كلمات القرآن.. بلا رحمة، وقد آثر النوم على الصلاة رغم ترغيب المؤذن في طاعة الرحمان.. فتجسد له ضميره كعملاق ظخم وسط الظلام يوبخه بقسوة. فأغمض عينيه مكرها وقد شعر بفداحة جرمه. تيقن أنه لن يقوى على الذهاب إلى الجامعة صباحا، بسبب الإرهاق الناتج عن السهر الطويل. ومع تسلل ضوء الصباح عبر نافذة الحجرة المشقوقة، فتح عينيه مجددا وقد أحس بشعور غريب لم يعهده من قبل، ممزوجا بألم رهيب، بطعم الندم والحسرة، وبمذاق الهزيمة والتخاذل. وقد علم ولو متأخرا أنه خسر حربا بكاملها وليس مجرد معركة فحسب. فطار النوم من عينيه رغم حاجته إليه مع الخسارة الفادحة. ومع طلوع النهار أحنى الليل رأسه ومضى.

انتهى

playstore

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WeCreativez WhatsApp Support
فريق صفروبريس في الاستماع
مرحبا