المغرب

رواية توقيف 61 مغربيا بالجزائر.. اتهامات مثيرة للجدل ومحاولات لصناعة عدو خارجي

تثير الرواية المتداولة في الجزائر بشأن توقيف 61 مواطنا مغربيا بمدينة وهران، بدعوى التخطيط لأعمال تخريبية، شكوكا واسعة حول حقيقة الوقائع المعلنة، في ظل ما يحيط بها من تفاصيل تبدو أقرب إلى رواية مصطنعة منها إلى معطيات أمنية متماسكة، خصوصا مع اختلاف التفاصيل وتعدد التأويلات التي رافقت انتشار الخبر.

فبدل تقديم أدلة واضحة ومعلومات دقيقة تشرح طبيعة المخطط المزعوم، والوسائل التي قيل إنها استعملت لتنفيذه، والقرائن التي دفعت إلى توجيه هذه الاتهامات الخطيرة، طغت على القضية رواية مثيرة صيغت بطريقة تستدعي الانتباه، لكنها تفتح في الوقت نفسه الباب أمام التساؤل بشأن مدى واقعيتها والأهداف الكامنة وراء الترويج لها.

إن الحديث عن عشرات المغاربة باعتبارهم جزءا من مخطط تخريبي مزعوم ليس أمرا عابرا، بل اتهام خطير يستوجب تقديم أدلة ملموسة، لا الاكتفاء بسرديات أمنية تفتقر إلى الوضوح وتترك للرأي العام مهمة البحث عن التناقضات والثغرات. فالقضايا بهذا الحجم لا يمكن أن تتحول إلى مادة جاهزة للتعبئة الإعلامية دون أن تكون الوقائع قابلة للتحقق والمساءلة.

ويبدو أن توظيف صورة العدو الخارجي يظل إحدى الوسائل التي تلجأ إليها الأنظمة عندما تحتاج إلى تحويل النقاش بعيدا عن أزماتها الداخلية. وفي الحالة الجزائرية، فإن تقديم المغرب باعتباره مصدر تهديد متواصل قد يخدم خطابا سياسيا يسعى إلى إبقاء التوتر قائما، وصرف الأنظار عن الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تستحق نقاشا جديا داخل البلاد.

وإذا كانت الرواية المتداولة قد صيغت بهدف إقناع الرأي العام بوجود خطر مغربي داخل الأراضي الجزائرية، فإن اختلاف تفاصيلها وما يحيط بها من علامات استفهام قد يقود إلى نتيجة معاكسة، تتمثل في إضعاف مصداقيتها وتعزيز الاعتقاد بأنها محاولة لصناعة قضية أمنية تخدم أجندة سياسية، لا عرض حقيقة مكتملة الأركان.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن أشخاص أو وقائع لم تتضح تفاصيلها، بقدر ما يتعلق برفض تحويل الجنسية المغربية إلى قرينة اتهام، أو استغلال التوتر بين البلدين لتسويق روايات خطيرة دون أدلة مقنعة. فالمسؤولية تقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي يجري تضخيمها، كما تقتضي ألا تتحول وسائل الإعلام إلى أدوات لترويج اتهامات جاهزة.

إن اختلاق روايات عن تهديدات خارجية، إن ثبت، لا يحل الأزمات الداخلية ولا يمنح الخطاب الرسمي مصداقية، بل يكشف حدود الاعتماد على التخويف والتعبئة بدل مواجهة المشكلات الحقيقية. فالعلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تكون رهينة قصص أمنية ملتبسة، ولا أن يتحول المواطنون إلى أدوات في صراع سياسي وإعلامي لا يخدم مصالحهم.

وفي انتظار تقديم معطيات موثوقة يمكن التحقق منها، تظل الرواية المتداولة موضع شك وتساؤل، ويظل من حق الرأي العام أن يتساءل عما إذا كان الأمر يتعلق بقضية أمنية حقيقية أم بمحاولة لصناعة تهديد خارجي وتوظيفه سياسيا. فالاتهامات الكبيرة تحتاج إلى أدلة أكبر، أما الروايات التي تتغير تفاصيلها وتفتقر إلى الإقناع، فلا يمكن أن تصبح حقيقة لمجرد تكرارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى