حين يتحول الواجب إلى أمان اجتماعي: حموشي يفتح باب الكرامة لأرامل شهداء الأمن

في زمن أصبحت فيه الأخبار الثقيلة تطغى على تفاصيل الحياة اليومية، تبرز أحيانا مبادرات إنسانية تعيد التذكير بأن المؤسسات لا تُقاس فقط بما تملكه من قوانين وتجهيزات، بل أيضا بقدرتها على الوفاء لمن ضحوا في سبيل الوطن. ومن قلب فضاء الأبواب المفتوحة بمدينة الرباط، حملت المديرية العامة للأمن الوطني رسالة مختلفة، عنوانها الوفاء، ومضمونها أن من يسقط أثناء أداء الواجب لا يُترك خلفه فراغ اجتماعي أو إنساني.
فقد أشرف المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، على تسليم عشر شقق سكنية لفائدة أرامل موظفي شرطة قضوا خلال أداء مهامهم المهنية، في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز الدعم المادي نحو ترسيخ ثقافة الاعتراف والتقدير داخل المرفق الأمني المغربي.
هذه المبادرة لم تأت في سياق احتفالي عابر، بل بدت كأنها إعلان عملي بأن المؤسسة الأمنية لا تعتبر أبناءها مجرد أرقام وظيفية تنتهي بانتهاء الخدمة، وإنما امتدادا إنسانيا واجتماعيا يستمر حتى بعد الرحيل. فالشرطي الذي يغادر منزله يوميا لمواجهة الخطر، أو لتنظيم الشارع، أو للتدخل في لحظة تهديد، لا يحمل فقط زيه الرسمي، بل يحمل معه أيضا قلق أسرة تنتظر عودته سالما. وحين يغيب إلى الأبد، يصبح السؤال الاجتماعي أكثر قسوة من خبر الوفاة نفسه.
ومن بين الأرامل المستفيدات، توجد زوجات لرجال أمن فقدوا حياتهم في ظروف مأساوية، سواء خلال تدخلات أمنية أو حوادث مرتبطة بأداء الواجب. وهي وقائع تعكس حجم المخاطر اليومية التي تواجهها عناصر الأمن الوطني، بعيدا عن الصورة النمطية التي تختزل عملهم في المخالفات المرورية أو الدوريات الروتينية.
المبادرة كذلك تعكس تحولا في مفهوم التدبير الاجتماعي داخل المؤسسات العمومية، حيث لم تعد الرعاية تقتصر على التعويضات الإدارية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بإعادة بناء الاستقرار النفسي والاجتماعي للأسر المتضررة. فالسكن هنا ليس مجرد جدران وإسمنت، بل رسالة طمأنة لأرملة فقدت سندها، ولأطفال فقدوا أبا كان يرتدي الزي الرسمي دفاعا عن أمن المجتمع.
كما تؤكد هذه الخطوة المكانة التي أصبحت تحتلها مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، باعتبارها آلية تضامن فعلي تسعى إلى مواكبة نساء ورجال الأمن وأسرهم، صحيا واجتماعيا وإنسانيا، في إطار رؤية تجعل البعد الاجتماعي جزءا من العقيدة المؤسساتية للأمن الوطني.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول السياسات والقرارات، لكن هناك لحظات إنسانية تفرض نفسها بعيدا عن الحسابات الضيقة، لأنها ببساطة تعيد الاعتبار لمعنى الوفاء. وعندما تجد أرملة شهيد الواجب مفتاح بيت جديد بين يديها، فالأمر لا يتعلق فقط بمبادرة سكنية، بل باعتراف صامت بأن الوطن لا ينسى من حمَوه.




