المغرب

حين تلتقي المصالح السياسية وتفترق المرجعيات: هل يستطيع المصباح والأحرار التنسيق في المعارضة؟

تصريح أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، بشأن استعداد حزبها للتنسيق مع التجمع الوطني للأحرار إذا اختار موقع المعارضة، يفتح الباب أمام سؤال أكبر من مجرد إمكانية عقد تنسيق برلماني بين حزبين: إلى أي حد يمكن أن يجتمع حزبان تختلف بينهما المرجعيات والتصورات والمشاريع السياسية داخل موقع معارض واحد؟

من حيث المبدأ، لا توجد غرابة في أن تتقاطع أحزاب مختلفة داخل البرلمان حول قضايا محددة. المعارضة ليست بالضرورة تحالفا أيديولوجيا، وقد تفرض الممارسة البرلمانية تنسيقا في بعض الملفات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمراقبة الحكومة أو مساءلة الوزراء أو الدفاع عن اختصاصات المؤسسة التشريعية.

لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التنسيق من تقاطع ظرفي حول ملفات معينة إلى اصطفاف سياسي يبدو وكأنه يتجاوز الاختلافات الجوهرية بين الطرفين.

فالعدالة والتنمية والأحرار لا ينطلقان من الأرضية السياسية نفسها، ولا يحملان المرجعية ذاتها، كما أن تجربتهما في تدبير الشأن الحكومي، وطريقة قراءتهما للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وموقع كل منهما من قضايا الدولة والمجتمع، تجعل الحديث عن تنسيق واسع بينهما أمرا يحتاج إلى تفسير سياسي أكثر دقة.

والقول إن الخلاف السياسي لا يعني العداء صحيح من حيث المبدأ، بل هو من أبجديات الممارسة الديمقراطية. الخصومة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة شخصية، والمعارضة لا يفترض أن تكون معارضة لكل شيء لمجرد أن مصدره الحكومة.

لكن الديمقراطية لا تقوم فقط على القدرة على الجلوس إلى الطاولة نفسها، وإنما تقوم أيضا على وضوح الاختلاف أمام الناخب.

وهنا تظهر المفارقة.

كيف يمكن لحزب أن يقدم نفسه للناخب باعتباره حاملا لمشروع سياسي مختلف، ثم يجد نفسه لاحقا في تنسيق مع حزب كان جزءا من منظومة سياسية انتقدها، أو خاض ضده سجالات قوية، دون أن يشرح بدقة أين تنتهي نقاط الخلاف وأين تبدأ مساحات التقاطع؟

المشكلة ليست في التنسيق نفسه، وإنما في حدوده ومبرراته.

إذا كان المقصود تنسيقا تقنيا داخل البرلمان، حول لجان أو مبادرات تشريعية أو ملفات رقابية محددة، فالأمر يمكن فهمه باعتباره ممارسة طبيعية داخل المؤسسات المنتخبة.

أما إذا كان الأمر يتعلق بتقارب سياسي أوسع، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا: ما الذي تغير؟ هل تغيرت مواقف الحزبين؟ أم أن الموقع الجديد في المعارضة أعاد ترتيب الحسابات السياسية فقط؟

وهنا بالضبط تكمن حساسية المشهد.

فالسياسة ليست مجرد جمع للأرقام داخل البرلمان، وليست كذلك مجرد توزيع للمواقع بين أغلبية ومعارضة. إنها قبل ذلك مشاريع ورؤى ومرجعيات وتصورات متباينة حول المجتمع والدولة والاقتصاد والحريات والسياسات العمومية.

ولهذا فإن التنسيق بين خصمين سياسيين يصبح مفهوما عندما يكون واضحا ومحددا، لكنه يصبح مربكا عندما لا يعرف المواطن هل نحن أمام تعاون مؤسساتي محدود أم أمام تقارب سياسي حقيقي.

ثم إن المعارضة القوية لا تحتاج بالضرورة إلى أن تتشابه أحزابها. على العكس، قد تكون قوة المعارضة في تعدد الأصوات داخلها، وفي قدرة كل حزب على تقديم البديل الذي يراه مناسبا، بدل صناعة كتلة سياسية متجانسة ظاهريا لكنها عاجزة عن تفسير اختلافاتها أمام الرأي العام.

فالمعارضة ليست فقط أن تقول “لا”، كما أن التنسيق ليس أن تقول “نعم” معا. المعارضة الحقيقية هي أن تقدم نقدا واضحا، وأن تكشف مكامن الخلل، وأن تقترح بديلا، وأن تحافظ في الوقت نفسه على المسافة السياسية التي تميز مشروعها عن مشاريع الآخرين.

ومن هنا، فإن حديث العدالة والتنمية عن إمكانية التنسيق مع الأحرار قد يكون منطقيا إذا بقي في الإطار البرلماني والمؤسساتي، لكنه يصبح موضع تساؤل سياسي عندما يتجاوز ذلك إلى تنسيق لا يجد المواطن له تفسيرا مقنعا بالنظر إلى الاختلافات العميقة بين الحزبين.

في النهاية، ليس المطلوب من الأحزاب أن تعادي بعضها، ولا أن تجعل الخلاف السياسي خصومة شخصية. المطلوب هو شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن تكون واضحة.

فإذا كان الأحرار والعدالة والتنمية قادرين على التنسيق رغم اختلاف المرجعيات والمشاريع، فعليهما أن يشرحا للرأي العام حدود هذا التنسيق وأهدافه. وإذا كان الاختلاف بينهما ما يزال قائما، فعلى كل طرف أن يحافظ على ملامح مشروعه حتى لا تتحول السياسة إلى مجرد هندسة للمواقع.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة ليس أن يتعاون الخصوم، وإنما أن يتعاونوا دون أن يفهم المواطن لماذا، أو أن يختلفوا أمام الكاميرات ويتفقوا خلف الستار.

وهنا تحديدا سيختبر الناخب معنى المعارضة: هل هي تحالف مصالح ظرفي، أم اختلاف حقيقي في الرؤية والمشروع والبديل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى