حكومة “الإنصات” التي لا تسمع سوى همس الصفقات

بقلم: المسكين يوسف
خرج رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ليتحدث من جديد عن “سياسة القرب” و”الإنصات للمواطنين”، وكأن المغاربة يعيشون في بلد آخر غير الذي يعرفونه كل يوم في الأسواق والإدارات والمستشفيات والشوارع. حديث معسول يُلقى في القاعات المكيفة أمام السفراء والوجوه الرسمية، بينما المواطن البسيط يطارد الخبز والكرامة وسط موجة غلاء غير مسبوقة وحكومة اختارت أن تدير ظهرها لوجع الناس.
أي إنصات هذا الذي يتحدثون عنه بعد خمس سنوات من الصمت تجاه أنين الفقراء؟
أين كانت هذه الحكومة حين احترقت القدرة الشرائية للمغاربة؟
أين كان “القرب” عندما تحولت أسعار المواد الأساسية إلى كابوس يومي؟
وأين كانت “العدالة الاجتماعية” حين صار المواطن عاجزاً عن تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم بينما تتضخم ثروات المحظوظين وحيتان المال؟
المشكلة ليست فقط في الخطاب، بل في الفجوة المخيفة بين الكلام والواقع. فالحكومة التي تتحدث عن “تكافؤ الفرص” هي نفسها التي يرى كثير من المغاربة أنها كرست اقتصاد الامتيازات والاحتكار، وجعلت السياسة أقرب إلى عالم الأعمال منها إلى خدمة المواطنين. لذلك لم يعد الشارع يثق بسهولة في الشعارات اللامعة التي تتكرر كل موسم سياسي.
لقد تحول مفهوم “الإنصات” عند بعض المسؤولين إلى مجرد تقنية تواصلية، تُستعمل في الخطب والندوات، بينما الحقيقة على الأرض تقول إن الحكومة لا تسمع إلا صوت الأرقام وصفقات الاستثمار ومصالح لوبيات المال. أما المواطن البسيط، الذي يسحقه الغلاء والبطالة والهشاشة، فقد أصبح رقماً هامشياً في معادلة لا مكان فيها إلا لمن يملك النفوذ.
ولعل أكثر ما يثير السخرية، أن بعض الوجوه التي تتحدث اليوم عن الحكامة والثقة، ما تزال أسماؤها تتردد في نقاشات الرأي العام المرتبطة بملفات مثيرة للجدل، من بينها ما يعرف بملف “الفايق” بمدينة فاس، وهو ما يجعل الحديث عن الأخلاق السياسية ومحاربة الفساد يبدو بالنسبة لكثيرين مجرد خطب للاستهلاك الإعلامي لا أكثر.
المغاربة لم يعودوا يبحثون عن البلاغة السياسية، بل عن نتائج ملموسة. يريدون مدارس تحفظ كرامة أبنائهم، ومستشفيات لا تتحول إلى ممرات للمعاناة، وفرص شغل حقيقية، وأسعاراً لا تلتهم ما تبقى من جيوبهم آخر كل شهر. لكن ما يصلهم بدل ذلك هو المزيد من الوعود والخطابات المنمقة.
لهذا يبدو أن أزمة الحكومة اليوم ليست فقط أزمة تدبير، بل أزمة مصداقية أيضاً. فحين يبتعد السياسي عن نبض الشارع، ويكتفي بالحديث إلى النخب والدوائر المغلقة، يصبح “الإنصات” مجرد كلمة فارغة، ويصبح المواطن مقتنعاً بأن من يحكمه لا يسمعه إلا في موسم الانتخابات.




