الجهةبولمانتازةتاوناتفاسفاسمكناس

بولمان.. أرض الديناصورات تستعد لدخول “اليونسكو”.

تجسد الدينامية الثقافية والعلمية التي يشهدها إقليم بولمان نموذجاً حياً لالتقائية الرؤى التنموية الهادفة إلى استثمار الرأسمال الطبيعي اللامادي وتوظيفه كرافعة اقتصادية واجتماعية مستدامة. وتأتي فعاليات اللقاء التنسيقي الثاني الخاص بمشروع إحداث “جيوبارك بولمان للديناصورات والحفريات” بالأطلس المتوسط الشرقي لتكرس هذا التوجه الاستراتيجي من خلال يوم دراسي متميز، احتضنته مدينة بولمان تحت تتبع مباشر من عامل الإقليم وبحضور الكاتب العام للعمالة، إلى جانب نخبة من الباحثين الأكاديميين والفاعلين المؤسساتيين، وممثلي المجتمع المدني. وشكل هذا المحفل العلمي بيئة خصبة لتبادل المداخلات والعروض التي سلطت الضوء على المؤهلات الأركيولوجية والجيولوجية الاستثنائية للمنطقة، والتي تؤهلها لتتبوأ مكانة بارزة على خريطة السياحة العلمية والإيكولوجية على الصعيدين الوطني والدولي، من خلال رؤية مندمجة تشمل ثماني جماعات ترابية هي إيموزار مرموشة، آیت المان تالزمت، آيت بازة، المرس سكورة مداز، إنجيل، وأولاد علي يوسف، بهدف خلق حركية مجالية متكاملة تعتمد على صون التراث وتنميته.

وقد تعززت هذه الطموحات بالمواكبة التنظيمية الهيكلية التي استعرضها الكاتب العام لعمالة بولمان، مشيراً إلى أن هذا اللقاء يعد امتداداً للاجتماع التنسيقي الأول المنعقد في 15 يناير
15 يناير 2026، ويمثل قفزة نوعية في مأسسة المبادرة عبر تفعيل اللجنة التوجيهية والهيئة العلمية الفنية، ودمج خطط العمل القطاعية الموحدة. إن الانتقال بالمشروع إلى مرحلة التنزيل الفعلي على أرض الواقع يتطلب اليوم استمرار العمل المنهجي وفق المعايير الدولية، وتطوير المسارات والتعليم الجيولوجي وهيكلة عروض الجيوسياحة المسؤولة، وهو الالتزام الجماعي الذي يتقاسمه كل المتدخلين بروح المسؤولية التضامنية والتكامل، لتحويل الثراء الأحفوري لإقليم بولمان من مجرد صفحات في تاريخ الأرض إلى محرك مستدام يصنع مستقبل المنطقة ويصون هويتها الثقافية والطبيعية للأجيال القادمة.

وفي إطار تعزيز الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والترابية برز الدور الريادي لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس ممثلة في كلية العلوم ظهر المهراز التي نظمت هذا الحدث بتعاون وثيق مع متحف التاريخ الطبيعي بلندن تحت عنوان يربط مباشرة بين الجيوبارك والسياحة الجيولوجية والبيئية كأداة لتحقيق التوازن بين الحفاظ على الثروات الطبيعية والتنمية المستدامة. هذا الانخراط يعكس بوضوح تحول الجامعة من فضاء تقليدي للتدريس والبحث إلى فاعل مجتمعي مواطن يضع البحث العلمي في خدمة التراب

وتنميته. وقد أسفرت الأبحاث الميدانية الحديثة التي قادها فريق شعبة الجيولوجيا بالكلية عن اكتشافات أحفورية بالغة الأهمية، من أبرزها العثور على بقايا وآثار ديناصورات عاشبة فريدة يعود تاريخها إلى أكثر من 165 مليون سنة، وهو حدث علمي غير مسبوق يعيد كتابة التاريخ الجيولوجي للمنطقة ويمنحها قيمة عالمية مضافة، مع الاحتفاء الرمزي بمرور قرابة قرن على أولى الاكتشافات بالمنطقة.

إن النجاح الذي يحققه هذا الورش يرتكز بالأساس على مقاربة تشاركية متينة أثنى عليها الفاعلون، حيث وفرت السلطات الإقليمية كافة التسهيلات اللوجستيكية والميدانية، مما يترجم التزام الإدارة الترابية بتحقيق أعلى مستويات النجاعة والأداء. ولا ينحصر الطموح المشترك في الأبعاد العلمية المحضة، بل يتعداه إلى أبعاد تنموية واجتماعية واقتصادية تهدف إلى تشجيع الاقتصاد المحلي، وفتح آفاق واعدة للشغل الأخضر أمام الشباب والساكنة المحلية، وربط التراث بالأنشطة الرياضية والثقافية والسياحية في انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الرامية إلى تثمين الثروات الطبيعية وتحقيق التنمية البشرية المستدامة.

ومن جانب آخر، يبرز دور المجتمع المدني كشريك فاعل وأصيل في هذه الدينامية، وهو ما جسدته كلمة جمعية جيوبارك الأطلس المتوسط الشرقي التي استعرضت مسار انخراطها الطويل والممتد في التحسيس والتكوين حتى ما
قبل عام 2026، مؤكدة أن الساكنة المحلية تقع في صلب المشروع كقوة تدبيرية وتثمينية لا كمستفيد سلبي. ويأتي تأسيس الجمعية المخصصة لإدارة ودعم المشروع في 10 مايو 2026 ، كخطوة حاسمة لتعزيز الحكامة الإدارية وتوحيد جهود كافة المتدخلين من مجالس منتخبة، ومصالح لا ممركزة كالمياه والغابات والفلاحة والسياحة والصناعة التقليدية والبيئة، بهدف صياغة خارطة طريق واضحة تروم حماية المواقع الهشة كآثار الديناصورات بالمرس ومستحاثات بولحها وأنشريف، والوصول بالملف في نهاية المطاف إلى الإدراج ضمن الشبكة العالمية لجيوباركات اليونسكو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى