المغرب

الغلاء لا يرحل… والمواطن وحده من يدفع الفاتورة


في كل مرة يُقال للمغاربة إن الأسعار ستنخفض، وإن المنافسة ستعيد التوازن إلى السوق، وإن الإجراءات الحكومية ستخفف العبء عن القدرة الشرائية. لكن الواقع يروي قصة مختلفة؛ فكل يوم يستيقظ المواطن على أسعار جديدة، بينما يبقى دخله على حاله، أو يتراجع أمام موجات الغلاء المتتالية.
الصورة المتداولة، التي تعرض أثمنة بيع منتجات الألبان وهوامش أرباح البقال، تعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل زيادة: من المستفيد الحقيقي من ارتفاع الأسعار؟ فإذا كان البقال لا يربح سوى بضعة سنتيمات أو دراهم معدودة في كل منتج، فمن أين تأتي الأرباح الضخمة التي تعلن عنها بعض الشركات؟ ومن يتحمل في النهاية كلفة هذا الارتفاع؟
لقد أصبح البقال، في كثير من الأحيان، الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. فهو يشتري بالسعر الذي تحدده الشركات والموزعون، ويبيع بهامش ربح محدود، بينما يواجه يوميا غضب الزبائن الذين يحملونه مسؤولية غلاء لا يملك قرار التحكم فيه.
أما المستهلك، فهو الخاسر الأكبر. فميزانية الأسر المغربية أصبحت تستنزف بسبب الزيادات المتواصلة في المواد الأساسية، من الحليب ومشتقاته إلى اللحوم والزيوت والخضر، دون أن يلمس المواطن تحسنا حقيقيا في قدرته الشرائية أو انخفاضا يعيد بعض التوازن إلى السوق.
ولذلك، فإن الدعوات إلى المقاطعة تعود إلى الواجهة كلما شعر المواطن بأن الأسعار لم تعد تعكس الواقع الاقتصادي، بل أصبحت تثقل كاهله دون مبرر واضح. فالمقاطعة، بالنسبة إلى كثيرين، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة احتجاج سلمية للتعبير عن رفض الغلاء والمطالبة بسوق أكثر عدلا وشفافية.
اليوم، لم يعد السؤال: هل الأسعار مرتفعة؟ بل أصبح: إلى متى سيستمر هذا الارتفاع؟ وهل ستبقى القدرة الشرائية للمغاربة تتحمل موجات الغلاء المتلاحقة، أم أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات أكثر فعالية لحماية المستهلك، وضمان منافسة حقيقية، ومراقبة هوامش الربح عبر مختلف حلقات سلسلة الإنتاج والتوزيع؟
فالاقتصاد السليم لا يقاس فقط بحجم أرباح الشركات، بل أيضا بقدرة المواطن على العيش الكريم، لأن السوق التي تربح فيها الشركات بينما يخسر فيها المستهلك بشكل دائم، هي سوق تحتاج إلى مراجعة حقيقية، لا إلى مزيد من الوعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى