من تفعيل الأمازيغية إلى إصلاح الأسرة.. رهانات حكومة المنصوري على الهوية والتماسك الاجتماعي

تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري قضايا الهوية والثقافة والأسرة ضمن الملفات التي تستدعي مواصلة الإصلاح وتعزيز آليات التنفيذ خلال الولاية الحكومية 2026-2031، من خلال توجهات تجمع بين تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ومواصلة إصلاح مدونة الأسرة، وحماية الفئات التي تحتاج إلى مواكبة اجتماعية خاصة، إلى جانب صيانة الحقوق الرقمية وتطوير العلاقة مع المغاربة المقيمين بالخارج، وجعل الثقافة والتراث رافعتين للتنمية.
ويبرز تخصيص صندوق خاص بالأمازيغية بغلاف مالي يصل إلى ملياري درهم باعتباره أحد أبرز الالتزامات المرتبطة بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية. وتكمن أهمية هذا التوجه في أن النهوض باللغة لا يتوقف عند الاعتراف الدستوري بها، بل يحتاج إلى موارد مالية وبرامج واضحة تسمح بتوسيع استعمالها داخل المؤسسات، وتطوير حضورها في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام، فضلا عن دعم الإنتاج الثقافي والمعرفي بها.
ومن شأن إحداث آلية مالية مخصصة لهذا الورش أن يتيح برمجة تدخلات أكثر استمرارية، ويساعد على الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى تصور متكامل يحدد الأولويات والنتائج المنتظرة. غير أن الأثر الفعلي لهذا الصندوق سيظل مرتبطا بكيفية توزيع موارده، ومدى ارتباط التمويلات بحاجيات المؤسسات والمواطنين، ووجود مشاريع قابلة للتقييم في مختلف المجالات التي يشملها إدماج الأمازيغية.
وفي السياق نفسه، يبرز التوجه نحو إحداث لجنة وزارية دائمة لتتبع إدماج الأمازيغية، إلى جانب إعداد تقرير سنوي حول التقدم المحرز. ويحمل هذا الالتزام أهمية مؤسساتية، لأنه يتيح إمكانية تنسيق الجهود بين القطاعات الحكومية، وتحديد المسؤوليات، ورصد الصعوبات التي تعترض توسيع استعمال اللغة. كما أن التقرير السنوي يمكن أن يوفر معطيات واضحة بشأن ما تحقق في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام، ويجعل تقييم هذا الورش قائما على النتائج بدل الاكتفاء بالإعلانات العامة.
وتتطلب هذه المقاربة أيضا الاهتمام بتكوين الموارد البشرية، وتوفير الوثائق والخدمات بالأمازيغية حيث تقتضي الحاجة، وتطوير الموارد التعليمية والإدارية، مع مراعاة التنوع اللغوي والثقافي الذي يميز المغرب. فنجاح التفعيل يرتبط بمدى انعكاسه على تجربة المواطن داخل المدرسة والإدارة والمؤسسات العمومية، وبقدرته على الاستفادة من الخدمات بلغته في المجالات التي يتيحها القانون.
أما إصلاح مدونة الأسرة، فيظل من الملفات التي تتجاوز الجانب القانوني إلى قضايا الاستقرار الأسري وحماية الحقوق وتحقيق التوازن بين المسؤوليات والواجبات. ويعكس التزام الحكومة بمواصلة الإصلاح إدراكا لأهمية تطوير الإطار المنظم للعلاقات الأسرية بما يستجيب للتحولات الاجتماعية، مع مراعاة المرجعيات الدستورية والثوابت الوطنية والحقوق التي يضمنها القانون.
وسيكون نجاح هذا الورش مرتبطا بوضوح المقتضيات القانونية، وقدرة النصوص الجديدة على معالجة الإشكالات التي تظهر في التطبيق، إلى جانب تطوير آليات الوساطة الأسرية والتوعية القانونية وتحسين الخدمات المرتبطة بالقضاء الأسري. كما أن مواكبة الإصلاح تحتاج إلى تواصل عمومي يشرح المستجدات ويتيح للمواطنين فهم الحقوق والالتزامات، بما يساعد على تطبيق القانون وتقليص النزاعات التي يمكن تفاديها.
وفي المجال الاجتماعي، تبرز حماية الأسرة والطفولة والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة باعتبارها امتدادا لسياسات تستهدف تعزيز الإدماج وتوفير شروط العيش الكريم. فحماية الطفولة تحتاج إلى خدمات الوقاية والمواكبة والرعاية، كما أن تمكين النساء يتطلب توسيع فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الحماية من مختلف أشكال العنف. أما الأشخاص في وضعية إعاقة، فتظل حاجتهم الأساسية مرتبطة بتيسير الولوج إلى التعليم والشغل والنقل والخدمات العمومية، وتطوير بيئة مادية ومؤسساتية تراعي حقوقهم واستقلاليتهم.
ولا تتحقق هذه الأهداف من خلال النصوص وحدها، بل تستدعي تنسيقا بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية والمؤسسات المختصة وجمعيات المجتمع المدني، إلى جانب توفير الموارد البشرية والمالية اللازمة. كما أن اعتماد مؤشرات لقياس الولوج إلى الخدمات، ونوعية المواكبة المقدمة، ومدى استفادة الفئات المستهدفة، من شأنه أن يساعد على تطوير السياسات الاجتماعية وتوجيهها نحو الحاجيات الفعلية.
وفي سياق يتزايد فيه حضور التكنولوجيا في الحياة اليومية، يبرز الاهتمام بحماية المعطيات الشخصية وضمان الحق في الحصول على المعلومة. ويعكس الجمع بين الملفين الحاجة إلى تحقيق التوازن بين حق المواطن في معرفة القرارات والسياسات العمومية، وحقه في حماية بياناته من الاستعمال غير المشروع أو الكشف غير المبرر. فالإدارة الحديثة مطالبة بأن تكون أكثر شفافية وانفتاحا، وفي الوقت نفسه أكثر حرصا على أمن المعلومات التي تحتفظ بها عن المواطنين.
ومن شأن تطوير الخدمات الرقمية وتيسير الحصول على الوثائق والمعطيات العمومية أن يساهم في تحسين العلاقة بين المواطن والإدارة، وتقليص بعض الإجراءات المعقدة، وتعزيز إمكانية تتبع القرارات. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب توضيح قواعد نشر المعلومات، وتحسين جودة المعطيات المتاحة، وتكوين الموظفين، وتوفير آليات فعالة لحماية الخصوصية ومعالجة الشكايات المرتبطة بالبيانات.
كما يضع البرنامج المغاربة المقيمين بالخارج ضمن أولويات السياسة الحكومية، بالنظر إلى دورهم في الاقتصاد الوطني وارتباطهم المستمر بالمجتمع المغربي. ويمكن تطوير هذه العلاقة عبر تبسيط المساطر الإدارية والقنصلية، وتحسين مواكبة المستثمرين، وتيسير إنجاز الوثائق والمعاملات، وتعزيز المشاركة الثقافية والاجتماعية للأجيال الجديدة من مغاربة العالم. كما أن استثمار الكفاءات والخبرات التي راكمها أفراد الجالية في الخارج يمكن أن يفتح فرصا للتعاون في مجالات البحث والابتكار والاستثمار والتكوين.
وتبرز الثقافة والتراث بدورهما باعتبارهما رافعتين للتنمية والجاذبية السياحية، إذ لا يقتصر دورهما على حفظ الذاكرة والهوية، بل يمتد إلى خلق فرص اقتصادية لفائدة الفنانين والحرفيين والفاعلين المحليين. ويمكن لتثمين المواقع التاريخية والصناعات التقليدية والتعبيرات الثقافية المحلية أن يدعم السياحة ويعزز حضور المدن والقرى في المشهد الثقافي، شريطة الحفاظ على أصالة التراث وضمان استفادة المجتمعات المحلية من مردوديته.
وتجمع هذه الالتزامات بين حماية الهوية وتعزيز الحقوق وتطوير الخدمات الاجتماعية والثقافية. وسيكون التحدي خلال الولاية الحكومية هو تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يضمن أن يصبح تفعيل الأمازيغية ممارسة مؤسساتية، وأن يواكب إصلاح الأسرة تحسنا في الحماية القانونية، وأن تصل الخدمات الاجتماعية إلى مستحقيها، وأن تتحول الثقافة والتراث إلى موارد حقيقية للتنمية. أما تقييم النتائج، فسيظل مرتبطا بما سيظهر من تقدم ملموس في حياة المواطنين وفي علاقة المؤسسات بهم.




