
عاد الجدل ليطفو على سطح المشهد السياسي بمدينة فاس، بعد انتقادات حادة وجهتها مستشارة جماعية من المعارضة لقرار مجلس المدينة اللجوء إلى الاقتراض لتمويل مشاريع تنموية، في خطوة تكشف عن تصدع واضح داخل المجلس الجماعي.
وفي هذا السياق، اعتبرت ماجدة بنعربية، عضو فريق حزب العدالة والتنمية، أن طلب القرض من صندوق التجهيز الجماعي يفتقر إلى الشفافية والوضوح، سواء من حيث شروطه المالية أو جدواه الاقتصادية، منتقدة غياب معطيات أساسية تتعلق بسعر الفائدة، مدة السداد، وطبيعة الالتزامات المترتبة عنه.
هذا الموقف يعكس، في العمق، صراعاً يتجاوز مجرد خلاف تقني حول آلية التمويل، ليصل إلى اختلاف في الرؤية حول كيفية تدبير الشأن المحلي. فالمعارضة ترى في القرض مخاطرة مالية قد ترهن مستقبل المدينة، بينما قد يعتبره المجلس أداة ضرورية لتسريع وتيرة إنجاز المشاريع في ظل محدودية الموارد الذاتية.
غير أن الإشكال، كما تطرحه بنعربية، لا يتعلق بمبدأ الاقتراض في حد ذاته، بل بطريقة اتخاذ القرار. إذ تشير إلى غياب تصور استراتيجي واضح يحدد أولويات المشاريع، وكلفتها الحقيقية، ومردوديتها على المدى المتوسط والبعيد، وهو ما يطرح تساؤلات حول حكامة التدبير المالي داخل المجلس.
كما أعادت هذه الانتقادات إلى الواجهة إشكالية أعمق تتعلق بضعف تعبئة الموارد الذاتية للجماعات الترابية، حيث تجد العديد من المدن نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: إما تأجيل المشاريع أو اللجوء إلى القروض، مع ما يحمله ذلك من أعباء مستقبلية.
تحذير المعارضة من “إغراق” مالية الجماعة بالديون يكتسي بعداً سياسياً أيضاً، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الحالية، حيث يُطرح سؤال المسؤولية: هل من المشروع تحميل المجالس المقبلة تبعات قرارات مالية لم تكن طرفاً فيها؟
في المقابل، يغيب إلى حد الآن رد تفصيلي من الأغلبية المسيرة يوضح مبررات هذا التوجه، ويقدم معطيات دقيقة تطمئن الرأي العام المحلي حول جدوى القرض وانعكاساته.
في المحصلة، يكشف هذا الجدل عن حاجة ملحة إلى إعادة بناء الثقة داخل المؤسسات المنتخبة، عبر تعزيز الشفافية، وتقديم معطيات دقيقة للمواطنين، واعتماد مقاربة تشاركية في اتخاذ القرارات الكبرى، خاصة تلك التي تمس مستقبل المالية المحلية.
ففاس، كغيرها من المدن المغربية، لا تحتاج فقط إلى مشاريع جديدة، بل إلى رؤية واضحة توازن بين الطموح التنموي والاستدامة المالية.




