المغرب

زاكورة.. حين يُضاف التهميش إلى التهميش

الجنوب الشرقي المنسي في السياسات العمومية، منطقة لا تحضر في تقارير الحكومة إلا باعتبارها خزانا لليد العاملة الرخيصة التي تصبر على الأعمال الشاقة في المدن الكبرى. سكانها بسطاء إلى الحد الذي قبلوا لعقود طويلة أن يُعاملوا كهامش داخل وطنهم، وصابرون إلى درجة التعايش مع ضعف البنيات التحتية وغياب التنمية وفرص العيش الكريم.

هم أناس يستحيون كثيرا، يغيب عنهم البرلماني خمس سنوات كاملة، ثم يعود في موسم الانتخابات وقد استهلك الوعود والأعذار، ليطلب أصواتهم من جديد وكأن شيئا لم يكن. وفي ثقافة المغاربة، للحياء والكرامة مكانة كبيرة، لكن بعض السياسيين حولوا ذلك إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفس المشهد ونفس الخيبات.

الجنوب الشرقي الذي قدم تضحيات جسام في تاريخ المغرب، لا يزال يرى أبناءه يرحلون بحثا عن لقمة العيش. فلا الوظائف متوفرة، ولا المشاريع التنموية قادرة على استيعاب طاقات الشباب. وحتى الفلاحة المعيشية التي كانت تشكل مصدر رزق لآلاف الأسر تعرضت لضربات قاسية بسبب اختلالات تدبير الموارد المائية، وتحويل جزء مهم منها نحو الضيعات الكبرى، في وقت تعاني فيه الواحات والقرى من العطش وتراجع النشاط الفلاحي واستنزاف الفرشة المائية.

هذا الجنوب لا يُذكر غالبا إلا عندما يتعلق الأمر بالمعادن والثروات الباطنية. ثروات تُستخرج من أرضه، بينما تبقى مناطق واسعة منه غارقة في الفقر والهشاشة وضعف الخدمات الصحية والتعليمية. أما السكان فلا يرون من تلك الثروات سوى آثار التهميش ومشاكل البيئة ومخاطر العيش في مناطق تعاني من نقص الاستثمارات العمومية.

كل هذه المحن لم تكن كافية، في نظر واضعي السياسات العمومية، لإعادة الاعتبار للمنطقة وإنصاف ساكنتها. واليوم يثار جدل واسع بعد الحديث عن إنزال عشرات المهاجرين داخل دوار بسيط بجماعة تمزموط، في خطوة خلقت حالة من القلق والاستياء وسط السكان الذين يتساءلون عن خلفيات القرار وأهدافه وتداعياته.
إن هذا القرار له تدعيات خطيرة على هؤلاء البسطاء فليتحمل مسؤوليته من أعطى هذا القرار لما سيسفر من حوادث فوضى وسرقة وعنف واغتصاب وترويع الساكنة.
هذه السياسية لا تنتج غير الكوارث فيكفي هؤلاء السكان ماهم فيه لا ان يام إنزال لعنة المهاجرين غير الشرعيين عليهم أيضا.
فالقرى الهشة التي تعاني أصلا من ضعف الخدمات الأساسية وندرة فرص الشغل ليست في حاجة إلى قرارات مفاجئة تزيد من شعور السكان بالضغط والتوجس. ومن حق الساكنة أن تعرف طبيعة هذه الإجراءات، والجهة التي اتخذتها، والتدابير المواكبة لها، وكيف سيتم ضمان التوازن بين الواجبات الإنسانية للدولة وبين حقوق المواطنين المحليين في الأمن والاستقرار والعيش الكريم.

إن تدبير ملف الهجرة يحتاج إلى رؤية واضحة ومسؤولة، لا إلى حلول ترقيعية أو نقل للمشكلات من منطقة إلى أخرى. كما أن سكان الجنوب الشرقي ليسوا مواطنين من درجة ثانية حتى تُتخذ بشأنهم قرارات مصيرية دون إشراكهم أو الإنصات إلى هواجسهم ومطالبهم.

لقد آن الأوان لأن تتوقف الدولة عن النظر إلى الجنوب الشرقي باعتباره مجرد خزان للعمالة أو الثروات الطبيعية، وأن تتعامل معه باعتباره جزءا أصيلا من المغرب يستحق التنمية والاستثمار والعدالة المجالية. فالذين صبروا طويلا على التهميش لا يطالبون بالمستحيل، بل بحقهم في الكرامة والإنصاف وفرص العيش الكريم.

وإذا كانت الحكومة قد أسقطت هذه المناطق من حساباتها التنموية، فإن التاريخ لن يسقطها من ذاكرته، لأن الأمم تُقاس بمدى وفائها لأطرافها المنسية، لا بما تكتبه في التقارير الرسمية والخطابات المناسبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى