بعد إسقاط الدجاج والبيض.. هل يجهز المغاربة على سوق اللحم الأحمر؟

قبل أشهر قليلة فقط، كان المواطن المغربي يشتكي من الارتفاع الصاروخي لأسعار الدجاج والبيض. كيلو الدجاج تجاوز 25 درهما في بعض المناطق، والبيض بلغ مستويات غير مسبوقة، فيما كانت التبريرات تتوالى من المنتجين والوسطاء والتجار، وكل طرف يلقي باللوم على الآخر. لكن ما لم يكن في حسبان الكثيرين هو أن المواطن، الذي ظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، قرر أن يستعمل سلاحه الوحيد: المقاطعة والتخلي.
وفجأة، وبعد أن تراجع الإقبال بشكل ملحوظ على الدجاج والبيض، بدأت الأسعار تنخفض بسرعة كبيرة، وبدأت الاتهامات المتبادلة تظهر إلى العلن. المربون يتهمون الوسطاء، والوسطاء يتهمون المضاربين، والتجار يتحدثون عن ضعف الطلب. وكأن السوق اكتشف فجأة أن الأسعار التي كانت تُفرض على المواطنين لم تكن قدراً منزلاً، بل كانت مرتبطة أساساً بمنطق العرض والطلب.
اليوم يتكرر المشهد نفسه مع اللحم الأحمر. فبعد عيد الأضحى، الذي كان من المفترض أن يساهم في استقرار السوق أو على الأقل الحد من المضاربة، شهدت أسعار اللحوم ارتفاعاً جديداً أثقل كاهل الأسر المغربية. المواطن الذي كان يأمل أن يجد متنفساً بعد أشهر من الغلاء وجد نفسه أمام أسعار تزداد اشتعالاً، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية وتزداد الضغوط الاجتماعية.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل سيقول المواطن كلمته مرة أخرى؟ وهل ستنتقل ثقافة التخلي والمقاطعة من الدجاج والبيض إلى اللحم الأحمر؟
ما حدث في سوق الدواجن خلق سابقة مهمة. لأول مرة شعر المواطن أن بإمكانه التأثير المباشر في الأسعار من خلال تغيير سلوكه الاستهلاكي. صحيح أن المقاطعة ليست حلاً دائماً لكل الأزمات الاقتصادية، لكنها أظهرت أن المستهلك ليس مجرد متلقٍ سلبي للقرارات التي يتخذها المنتجون والمضاربون، بل هو عنصر حاسم في المعادلة.
غير أن الأخطر في هذه التطورات هو أن المواطن لم يعد ينتقل من منتج إلى آخر بحثاً عن بديل أرخص، بل أصبح يفكر في التخلي عن العديد من المنتجات الحيوانية بشكل كامل. فبعد أن دفعته أسعار اللحم الأحمر إلى الدجاج، دفعته أسعار الدجاج إلى تقليص استهلاكه منه، واليوم يتجه جزء من الأسر نحو الاعتماد أكثر على الخضر والقطاني والبدائل النباتية، ليس اقتناعاً بنمط غذائي جديد، بل هروباً من جحيم الأسعار.
إنها رسالة قوية للسوق ولصناع القرار على حد سواء. فحين يصبح اللحم ترفاً، والدجاج مناسبة، والبيض عبئاً على ميزانية الأسر، فإن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، بل أصبحت مرتبطة بتغير عميق في أنماط الاستهلاك وفي العلاقة بين المواطن والسوق.
وقد يجد منتجو اللحوم الحمراء أنفسهم أمام السيناريو نفسه الذي عاشه قطاع الدواجن. فالمستهلك الذي اكتشف قوة الامتناع عن الشراء قد لا يتردد في استعمال السلاح ذاته مرة أخرى. وعندها لن تنفع التبريرات المعتادة، ولن توقف الاتهامات المتبادلة نزيف الخسائر.
المفارقة أن بعض الفاعلين الاقتصاديين ما زالوا يتعاملون مع المواطن وكأنه مجبر على الشراء مهما بلغ الثمن، بينما الواقع يثبت العكس. فكل ارتفاع غير مبرر للأسعار يدفع مزيداً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية، وقد يؤدي في النهاية إلى انهيار الطلب بدل تحقيق الأرباح المتوقعة.
لقد دخل المغرب مرحلة جديدة عنوانها: “المواطن يصوت بمحفظته”. وإذا كانت الأسواق لم تستوعب بعد هذا التحول، فإنها قد تستيقظ قريباً على حقيقة بسيطة ومؤلمة: حين يعجز المواطن عن مواجهة الغلاء، فإنه لا يشتري… وحين لا يشتري المواطن، تسقط كل حسابات المضاربة.




