المغرب

المؤسسة الملكية والصحراء المغربية.. كيف انتقلت الرؤية الملكية من الدفاع عن الوحدة الترابية إلى إقناع العالم بالحل المغربي؟

لم تعد قضية الصحراء المغربية اليوم في الموقع الذي كانت تشغله قبل سنوات، حين ظل النقاش الدولي محكوما بالبحث عن توافق بين أطروحات متعارضة، دون أفق واضح لإنهاء النزاع. فقد نجحت المؤسسة الملكية، عبر رؤية استراتيجية بعيدة المدى، في نقل الملف تدريجيا من مرحلة الدفاع عن الموقف المغربي إلى مرحلة ترسيخ القناعة الدولية بواقعية الحل الذي يقترحه المغرب.

لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل جمع بين وضوح الموقف الوطني، والتحرك الدبلوماسي المتواصل، وبناء الشراكات، والاستثمار في الأقاليم الجنوبية. فمنذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، اختار المغرب أن يقدم للعالم تصورا سياسيا عمليا، يقوم على تدبير محلي واسع للشؤون، في إطار السيادة المغربية، بدل ترك المنطقة رهينة نزاع مفتوح يستنزف إمكاناتها ويهدد استقرار محيطها الإقليمي.

وقد راهنت المؤسسة الملكية على أن قوة الموقف المغربي لا تكمن فقط في عدالة قضيته، بل أيضا في قدرته على تقديم حل قابل للتطبيق، يستجيب لمتطلبات الاستقرار والتنمية ويحفظ المصالح الاستراتيجية للمنطقة. ومع مرور السنوات، بدأت هذه الرؤية تجد صدى متزايدا لدى دول مؤثرة، انتقلت من الاكتفاء بالدعوة العامة إلى حل سياسي إلى إعلان دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي، أو اعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع.

وهنا يظهر جوهر التحول: لم يعد المغرب وحده من يدافع عن مقترحه، بل أصبحت قوى دولية عديدة تتعامل معه باعتباره مدخلا مركزيا للحل. كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025 عزز هذه المكانة، بجعل المبادرة المغربية أساسا للمفاوضات، في تطور يعكس انتقال النقاش الدولي نحو مقاربة أكثر تحديدا وارتباطا بالحلول العملية.

إن هذا التقدم يكشف عن نجاح المؤسسة الملكية في تغيير زاوية النظر إلى القضية. فبعد سنوات من الجدل حول طبيعة التسوية الممكنة، أصبح السؤال المطروح بصورة متزايدة هو كيفية تنزيل الحكم الذاتي وضمان شروط نجاحه، بدلا من الاستمرار في إعادة إنتاج النقاش نفسه دون نتائج ملموسة. وهذه النقلة، وإن كانت لا تعني أن النزاع انتهى قانونيا وسياسيا بصورة نهائية، فإنها تعكس تغيرا مهما في موازين الاقتناع الدولي وفي طبيعة الخيارات المطروحة.

ولم ينفصل هذا المسار عن التحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، حيث جعل المغرب التنمية والبنيات التحتية والاستثمار وتعزيز الربط الاقتصادي جزءا من رؤيته الاستراتيجية. فالموقف الدبلوماسي يجد قوته أيضا في واقع يتشكل على الأرض، وفي قدرة الدولة على تحويل الصحراء المغربية إلى مجال للنمو والاستقرار والانفتاح على العمق الإفريقي.

إن الرهان الملكي تجاوز بذلك مجرد الحصول على مواقف مؤيدة من الخارج؛ إنه رهان على بناء توافق دولي واسع حول الحل المغربي، وعلى جعل مبادرة الحكم الذاتي مرجعا أساسيا لأي تسوية سياسية مقبلة. فالدول لا تغير مواقفها الاستراتيجية عادة من دون حسابات ومصالح وقناعة بجدوى الخيار المطروح، ولذلك فإن اتساع دائرة الدعم للمقترح المغربي يحمل دلالة سياسية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية.

لقد نجحت المؤسسة الملكية في جعل القضية الوطنية تتحرك داخل بيئة دولية أكثر تفهما للموقف المغربي، وفي نقل الحكم الذاتي من مبادرة قدمها المغرب إلى خيار يحظى بدعم دولي متزايد. وهذه ليست نهاية المعركة الدبلوماسية، لكنها مرحلة متقدمة فيها؛ لأن الانتصار في القضايا الاستراتيجية لا يقاس فقط بعدد الدول التي تعلن تأييدها، بل أيضا بقدرة هذا التأييد على تغيير مسار التفاوض وتهيئة شروط الحل النهائي.

وهكذا، لم يعد الرهان المغربي منصبا على إقناع العالم بوجود قضية عادلة فحسب، بل أصبح منصبا على ترسيخ الاقتناع بأن الحل المغربي هو الطريق الأكثر واقعية لإنهاء النزاع. وفي هذا التحول تتجلى قيمة الرؤية الملكية التي جمعت بين ثبات الموقف ومرونة التحرك، وبين الدفاع عن السيادة وبناء شروط الاستقرار، لتجعل من الحكم الذاتي عنوانا مركزيا للمستقبل السياسي للصحراء المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى