تخفيض الضريبة على الدخل.. إصلاح يستفيد منه البعض ويترك الأجراء البسطاء خارج الحسابات

يطرح مشروع قانون المالية لسنة 2027، من خلال التعديلات المرتقبة على الضريبة على الدخل، سؤالا اجتماعيا يستحق النقاش: ما الانعكاس الفعلي لهذه الإجراءات على أصحاب الدخل المحدود، الذين يواجهون يوميا ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، بينما تظل أجورهم في مستويات لا تتيح لهم سوى تدبير الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟
قد يبدو تخفيف العبء الضريبي إجراء إيجابيا في ظاهره، لكن تقييمه لا ينبغي أن يتوقف عند الأرقام والنسب والجداول، بل يجب أن يمتد إلى قياس أثره الحقيقي على مختلف الفئات الاجتماعية. فحين يستفيد أصحاب المداخيل المرتفعة والمتوسطة من تخفيضات ضريبية ملموسة، بينما لا يشعر أصحاب الأجور الهزيلة بأي تحسن يذكر، فإننا نكون أمام إصلاح يحتاج إلى مراجعة ميزانه الاجتماعي، لا إلى الاكتفاء بتقديمه باعتباره مكسبا عاما.
فالمشكل أن فئات واسعة من الأجراء في المغرب تتقاضى أجورا لا تتجاوز 3000 درهم شهريا، بل إن هناك من يعيش بأقل من ذلك، في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية والنقل والسكن والفواتير ومصاريف العلاج والتعليم. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن أي تخفيض ضريبي لا ينعكس بصورة ملموسة على دخلهم الفعلي لن يغير كثيرا من واقعهم اليومي، خصوصا أن من لا يؤدي الضريبة على الدخل أو يؤدي منها مبلغا ضئيلا لا يمكن أن ينتظر مكسبا كبيرا من تخفيضها.
وهنا يبرز التناقض بين الخطاب الداعي إلى تقليص الفوارق الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، وبين إجراءات قد تتفاوت آثارها بحسب مستوى الدخل، دون أن تواكبها بالضرورة تدابير مباشرة لتحسين أوضاع الفئات الأكثر هشاشة. فليس كل إصلاح مالي إصلاحا اجتماعيا بالضرورة، وليس كل إجراء يخفف العبء عن فئة من المواطنين كفيلا بتحسين أوضاع المجتمع بأكمله.
وإذا كانت الدولة تتحدث عن مغرب يسير بسرعة واحدة، فإن الواقع الاجتماعي ما زال يكشف عن مغرب بسرعتين؛ مغرب تتوفر فيه فئات على هوامش مالية تسمح لها بالادخار والاستثمار والاستفادة من مختلف الفرص، ومغرب آخر يعيش فيه الأجير البسيط من راتب إلى راتب، ويحسب مصاريف الشهر قبل أن ينتهي الشهر السابق. وفي هذا الواقع، تصبح الفوارق أكبر من أن تعالجها تعديلات ضريبية لا تصل آثارها بالقدر نفسه إلى جميع الفئات.
وكان الأجدر أن يترافق أي إصلاح ضريبي مع رؤية اجتماعية أكثر شمولية، تضع تحسين الأجور الهزيلة في صلب الأولويات، وتدعم القدرة الشرائية، وتوسع الحماية الاجتماعية، وتضمن الحد الأدنى من العيش الكريم. فالتنمية المستدامة لا تعني فقط تحسين المؤشرات المالية، بل تعني أيضا الحد من الفقر وتقليص التفاوتات وضمان ألا تظل الفئات محدودة الدخل بعيدة عن ثمار الإصلاح.
ويبرز القطاع الخاص باعتباره أحد الملفات التي لا يمكن مواصلة تجاهلها في أي نقاش جاد حول العدالة الاجتماعية. ففي المعامل والشركات والمدارس الخاصة وغيرها من المؤسسات، يعمل أجراء مقابل أجور محدودة، وفي ظروف تختلف من مؤسسة إلى أخرى، بينما يظل بعضهم عاجزا عن مواجهة مصاريف الحياة رغم انتظامه في العمل. ولا يجوز تعميم الاتهامات على جميع المشغلين، لكن من الضروري الاعتراف بأن أوضاع عدد من الأجراء تستدعي مراقبة أكثر فعالية، وتطبيقا صارما لقوانين الشغل، وحماية حقيقية للأجور والحقوق الاجتماعية.
فما جدوى الحديث عن الإصلاح إذا كان العامل الذي يقضي يومه في الإنتاج لا يحصل على أجر يحميه من الحاجة؟ وما قيمة التحفيزات الاقتصادية إذا لم تنعكس على ظروف عيش الذين يساهمون بعملهم في استمرار المقاولات والمؤسسات؟ إن العدالة لا تتحقق بمجرد تخفيف العبء الضريبي عن بعض الفئات، بل تقتضي أيضا ضمان توزيع أكثر إنصافا لثمار النمو، وإيجاد توازن حقيقي بين مصالح المقاولة وحقوق الأجير.
والمؤسف أن النقاش العمومي يعرف أحيانا أصواتا ترتفع بقوة عندما يتعلق الأمر بمصالح الفئات النافذة أو المتوسطة، بينما يخفت صوتها حين يتعلق الأمر بأصحاب الأجور الضعيفة والعاطلين ومن يعيشون على الهامش. فهؤلاء لا يمتلكون دائما القدرة على التأثير في القرار أو إيصال معاناتهم إلى مراكز النقاش، مع أن أوضاعهم يفترض أن تكون في مقدمة الأولويات السياسية والاجتماعية.
إن المطلوب ليس رفض كل تخفيف ضريبي، ولا إنكار أهمية إصلاح النظام الضريبي، وإنما السؤال عن عدالة هذا الإصلاح ومدى استفادة مختلف الفئات منه. فالإجراء المالي الذي لا يراعي الفوارق القائمة قد يحسن وضع فئة دون أخرى، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق الإنصاف الاجتماعي.
وإذا كانت هناك موارد مالية يمكن توجيهها لتخفيف العبء عن المواطنين، فمن الضروري أن تحظى الفئات الأشد حاجة بنصيب واضح وملموس، سواء عبر تحسين الأجور، أو دعم القدرة الشرائية، أو تعزيز الخدمات العمومية، أو فرض احترام الحقوق الاجتماعية داخل القطاع الخاص.
أما أن يظل الأجير البسيط يواجه الغلاء بأجر لا يكاد يكفيه، ثم يُطلب منه أن يرى في تعديل ضريبي لا يستفيد منه فعليا دليلا على تحسن وضعه، فذلك يشبه طلاء واجهة جميلة بينما تظل الشقوق قائمة خلفها.
إن مغرب السرعة الواحدة لا يتحقق بالشعارات ولا بالجداول الضريبية وحدها، بل بسياسات تجعل العامل وصاحب الدخل المحدود والعاطل عن العمل في قلب القرار العمومي. فالمعيار الحقيقي لأي إصلاح ليس فقط ما يحققه من أرقام، وإنما ما يغيره في حياة الناس، وما يقدمه لمن هم في أمس الحاجة إلى الإنصاف.




