المغرب

بوعادل تختبر شعارات التنمية المستدامة في المغرب.. هل تتقدم الاستثمارات على حق الساكنة في الماء؟

تضع الاحتجاجات التي تعرفها منطقة بوعادل بإقليم تاونات، دفاعا عن الحق في الماء ورفضا لمشروع استغلال مياه المنبع لأغراض تجارية، سؤال التنمية المستدامة في المغرب أمام اختبار واقعي يتجاوز حدود المنطقة، ليمس العلاقة بين الاستثمار والمصلحة العامة، وبين الالتزامات الدولية للدولة وطريقة تدبير الموارد الطبيعية على المستوى المحلي.

ففي الوقت الذي جعل فيه المجتمع الدولي التنمية المستدامة إطارا لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة، تبرز بوعادل باعتبارها نموذجا للنقاش حول مدى قدرة السياسات العمومية على ترجمة هذه المبادئ إلى قرارات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية. وقد أفادت تقارير صحفية بأن عشرات السكان، من بينهم نساء المنطقة، خرجوا للاحتجاج على مشروع تعليب مياه المنبع، وسط مخاوف من انعكاساته المحتملة على الأنشطة الفلاحية ومصالح الساكنة.

على المستوى العالمي، لا تختزل أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الأمم المتحدة في أرقام ومؤشرات وتقارير دورية، بل تقوم على رؤية تجعل الإنسان في صلب التنمية، وتربط التقدم الاقتصادي بضمان الحقوق الأساسية وعدم ترك الفئات والمناطق الهشة خارج الاستفادة من الثروة والموارد. ويأتي الهدف السادس، المتعلق بضمان توفر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وتدبيرها بصورة مستدامة، في قلب هذه الرؤية، إلى جانب الهدف الخامس بشأن المساواة بين الجنسين، والهدف السادس عشر المتعلق بالمؤسسات الفعالة والمساءلة والمشاركة في اتخاذ القرار.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ حين تنتقل هذه الأهداف من الوثائق الدولية إلى أرض الواقع. فالتنمية المستدامة لا تعني مجرد تشجيع الاستثمار أو خلق فرص اقتصادية، وإنما تعني أيضا ضمان ألا يتحقق النمو على حساب استنزاف الموارد الطبيعية أو إضعاف قدرة السكان على الاستفادة منها. وإذا كان الاستثمار المنتج يشكل رافعة مهمة للتنمية، فإن مشروعيته الاجتماعية والبيئية تظل مرتبطة بوضوح شروطه، واحترام القوانين المنظمة له، وتقييم آثاره، وضمان ألا تتحمل الساكنة المحلية تكلفته بينما تذهب المنافع إلى أطراف أخرى.

ومن هنا تبرز الأسئلة التي تطرحها قضية بوعادل: ما حجم المياه التي سيشملها الاستغلال التجاري؟ وما طبيعة التراخيص الممنوحة للمشروع؟ وهل أنجزت دراسات كافية بشأن تأثيره على المنبع وعلى حاجيات السكان والفلاحين؟ وهل جرى إطلاع الساكنة على المعطيات التقنية والبيئية، وإشراكها في النقاش قبل اتخاذ القرارات التي قد تؤثر في مستقبل مورد مائي يرتبط بمعيشتها واستقرارها؟

هذه الأسئلة لا تعني أن المشروع يشكل بالضرورة تهديدا مثبتا للمياه أو أن التراخيص الممنوحة له غير قانونية؛ فذلك يحتاج إلى وثائق ودراسات وقرارات رسمية. لكنها تعني أن من حق المواطنين المطالبة بالمعلومات والضمانات، وأن الشفافية ليست امتيازا تمنحه الإدارة متى شاءت، بل عنصر أساسي في التدبير الرشيد للموارد المشتركة. فحين يتعلق الأمر بالماء، لا يكفي تقديم المشروع باعتباره استثمارا اقتصاديا، بل ينبغي توضيح كلفته البيئية والاجتماعية، ومنافعه المتوقعة، والجهات المستفيدة منه، والضمانات الموضوعة لحماية حاجيات السكان.

وتكتسب احتجاجات نساء بوعادل بعدا إضافيا حين ننظر إليها من زاوية المساواة بين الجنسين. فالنساء في العديد من المناطق القروية يتحملن أعباء يومية مرتبطة بتوفير الماء وتدبير شؤون الأسرة، كما تتأثر معيشتهن بصورة مباشرة بأي اختلال في الموارد الضرورية للحياة والزراعة. لذلك فإن حضورهن في الاحتجاج ليس تفصيلا هامشيا، بل تعبير عن مشاركة نسائية في الدفاع عن مورد تعتبره الساكنة جزءا من أمنها الاجتماعي والاقتصادي.

وهنا يبرز التناقض الذي ينبغي أن تواجهه السياسات العمومية بوضوح: كيف يمكن الحديث عن تمكين النساء وإشراكهن في التنمية، إذا لم تتحول مطالبهن بشأن الموارد التي تؤثر في حياتهن إلى موضوع للحوار والاستماع والتفسير؟ إن المشاركة لا تتحقق بمجرد تنظيم لقاءات شكلية أو تضمين كلمات عن المساواة في البرامج، بل تتطلب أن يكون لصوت النساء والسكان أثر فعلي في القرارات التي تمس حياتهم.

كما أن طريقة التعامل مع الاحتجاجات السلمية تشكل جزءا من اختبار التنمية المستدامة. فالمجتمع الذي يسعى إلى بناء مؤسسات فعالة لا ينبغي أن ينظر إلى الاحتجاج باعتباره مشكلة في حد ذاته، بل باعتباره أحد أشكال التعبير عن مطالب المواطنين، ما دام يمارس في إطار القانون. ومن حق السلطات، في المقابل، تطبيق القانون والتحقق من أي مخالفات وفق المساطر المعمول بها، لكن من الضروري توضيح أسباب استدعاء المحتجات وضمان حقوقهن القانونية، تفاديا لأي التباس أو شعور بالتضييق على المطالب الاجتماعية المشروعة.

ولا يمكن فصل هذه القضية عن سؤال العدالة المجالية في المغرب. فالتنمية لا تقاس فقط بحجم المشاريع التي تنجز أو الاستثمارات التي تستقطبها المناطق، بل أيضا بمدى انعكاسها على حياة السكان، وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية، واستفادتهم من موارد مناطقهم، ومشاركتهم في تحديد أولويات التنمية. وقد يبدو المشروع الاستثماري ناجحا من الناحية الاقتصادية، لكنه يظل موضع تساؤل إذا لم تتضح علاقته بالمصلحة العامة أو لم تدرس آثاره على الفئات التي تعتمد على المورد الطبيعي موضوع الاستغلال.

إن المطلوب في بوعادل ليس إصدار أحكام مسبقة على المشروع أو على الجهات المعنية، وإنما اعتماد تدبير يقوم على نشر الدراسات والتراخيص والمعطيات المتعلقة بكميات المياه المرخص باستغلالها، وإخضاع الأثر البيئي والاجتماعي لتقييم مستقل وشفاف، وفتح حوار جدي مع الساكنة، بمشاركة النساء والفلاحين والهيئات المدنية. كما أن تعليق الاستغلال التجاري مؤقتا إلى حين التحقق من سلامة المشروع وآثاره المحتملة، إذا اقتضت المعطيات ذلك، يمكن أن يشكل إجراء احترازيا يهدف إلى بناء الثقة وتفادي أي ضرر يصعب تداركه.

فالماء ليس مجرد سلعة يمكن النظر إليها من زاوية العائد الاقتصادي وحده، ولا ينبغي أن يتحول النقاش بشأنه إلى مواجهة بين الاستثمار والتنمية. المطلوب هو نموذج يضمن التوازن بين النشاط الاقتصادي والحق في الماء وحماية البيئة، ويجعل الاستثمار جزءا من التنمية المحلية لا بديلا عنها.

وفي النهاية، تكشف قضية بوعادل أن الفجوة بين أهداف التنمية المستدامة وطريقة تنزيلها لا تقاس بما تعلنه الدول من التزامات فقط، بل بما يحدث حين يطالب المواطنون بحقوقهم على أرض الواقع. فالتنمية الحقيقية لا تبدأ من توقيع التراخيص ولا تنتهي عند إطلاق المشاريع؛ إنها تبدأ حين تكون القرارات واضحة، والموارد محمية، والمواطن شريكا في الاختيار، والسلطات مستعدة للمساءلة.

إن نجاح التنمية المستدامة في المغرب لن يقاس بعدد المشاريع الاستثمارية وحده، بل بقدرتها على تحقيق معادلة عادلة: استثمار يحترم البيئة، وتدبير يضمن الشفافية، ومؤسسات تنصت للمواطنين، وموارد طبيعية تبقى في خدمة الحياة والكرامة وحقوق الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى