المغرب

كاف المال وعين السفرجلة.. حين تتحول الوعود إلى «زفت» على الورق والساكنة إلى رهائن للطريق والواد الحار

في حيَّي كاف المال وعين السفرجلة، يبدو أن أبسط حقوق السكان في طريق سالك وبيئة سليمة تحولت إلى ملف مؤجل، يتنقل بين الاحتجاج والوعود، ثم يعود إلى نقطة الصفر وكأن شيئاً لم يكن. فهنا لا يتعلق الأمر بمطلب ترفي أو مشروع تجميلي، بل بطريق تجعل حركة السكان معاناة يومية، وببنية تحتية يقول السكان إنها لا ترقى إلى الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.

الطريق المتردية لم تعد مجرد حفَر وإسفلت مهترئ، بل أصبحت عنواناً لمعاناة متواصلة. التنقل من الحي وإليه بات، بحسب الساكنة، مهمة شاقة، فيما تظل الأسئلة معلقة: إلى متى سيبقى هذا الوضع؟ ومن المسؤول عن تحويل مطلب إصلاح الطريق إلى ملف ينتظر الاحتجاج في كل مرة حتى يتحرك؟

أما قصة الواد الحار، فتبدو أكثر قسوة، بعدما تحولت الروائح الكريهة المنبعثة من المنطقة إلى جزء من الحياة اليومية للسكان القريبين منها. وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون البنية التحتية وسيلة لحماية صحة المواطنين وضمان شروط العيش الكريم، يجد سكان المنطقة أنفسهم أمام وضع بيئي يثير مخاوف وتساؤلات حول مدى جدية التعامل مع هذا الملف.

والأكثر إثارة في هذه الحكاية ليس فقط تردي الوضع، وإنما كثرة الوعود التي سبقته. فقد خرجت الساكنة للاحتجاج، ونظمت وقفات متعددة، ورفعت مطالبها إلى الجهات المعنية، لتأتي وعود من رئاسة المجلس والسلطات، غير أن جزءاً من هذه الوعود، وفق رواية المحتجين، ظل حبيس الكلام ولم يتحول إلى إجراءات ملموسة على الأرض.

وهنا تحديداً تتساءل الساكنة: هل أصبحت الوعود بديلاً عن المشاريع؟ وهل صار الاحتجاج هو الطريق الوحيد الذي يجب قطعه قبل أن تصل مطالب المواطنين إلى مكاتب المسؤولين؟

لقد بلغ الأمر مرحلة لم تعد معها الساكنة مستعدة، على ما يبدو، للاكتفاء بالانتظار. وفي سياق استمرار حركتها الاحتجاجية، وقّع سكان الحي عريضة احتجاجية ووجهوها إلى المجلس الجماعي، في خطوة تحمل رسالة واضحة مفادها أن الملف لم يعد قابلاً للتأجيل إلى ما لا نهاية.

العريضة ليست مجرد ورقة إضافية فوق رفوف الإدارة، بل هي تعبير عن غضب يتراكم منذ مدة. فالساكنة لا تطالب بحدائق معلقة ولا بناطحات سحاب، وإنما تريد طريقاً يمكن السير فيها، وبنية تحتية تحترم كرامة الإنسان، ووادياً حاراً لا يحول محيط السكن إلى مصدر للروائح والمخاوف الصحية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم على المجلس الجماعي والجهات المعنية بسيط وواضح: ماذا تحقق فعلياً من الوعود السابقة؟ ليس المطلوب بيانات ولا صوراً للاجتماعات ولا عبارات من قبيل «الملف قيد الدراسة»، وإنما آجال واضحة، ومشاريع واضحة، وأشغال يراها المواطن بعينه.

فالسكان يعيشون في الحي، وليس في محاضر الاجتماعات. وهم يعبرون الطريق يومياً، وليس في مخططات المشاريع. ويتنفسون الهواء المحيط بمنازلهم، وليس في البلاغات الرسمية.

لذلك، فإن استمرار الوضع على حاله لن يؤدي سوى إلى مزيد من الاحتقان، خصوصاً إذا بقيت الوعود تتكرر بينما تظل الطريق في مكانها، وتستمر الروائح في مكانها، وتظل معاناة السكان في مكانها.

كاف المال وعين السفرجلة لا يحتاجان إلى وعد جديد، بل إلى جواب عملي. فالساكنة قالت كلمتها، ووضعت مطالبها على طاولة المجلس، ويبدو أنها تستعد لمواصلة أشكالها الاحتجاجية إلى حين تحقيق ما تعتبره حقوقاً أساسية.

والكرة الآن في ملعب المسؤولين: إما أن تتحول العريضة إلى نقطة انطلاق لمعالجة حقيقية للملف، وإما أن تتحول الوعود القديمة إلى وقود لجولة جديدة من الاحتجاج.

وفي كل الأحوال، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً: كم احتجاجاً تحتاجه طريق واحدة حتى تصبح طريقاً؟ وكم عريضة تحتاجها ساكنة حتى تُسمع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى