أكادير التي تجمل الأرصفة فيها بينما تنام الأم وأطفالها فوقها

هذه ليست صورة من مدينة منكوبة، ولا مشهدا من فيلم عن الفقر، ولا لقطة قديمة من زمن انتهى. هذه صورة من أكادير، المدينة التي يسيرها عزيز أخنوش، والتي يراد لها أن تكون واجهة سياحية حديثة ومدينة للمشاريع الكبرى والأوراش المفتوحة والتجميل الحضري. لكن الصورة تقول شيئا آخر تماما: أم وأطفالها يفترشون الرصيف، يتقاسمون بطانيات بسيطة في مواجهة قسوة الشارع، بينما الأبواب الحديدية للمحلات مغلقة خلفهم، وكأن المدينة أغلقت أبوابها أيضا في وجه هذه الأسرة.
هنا يصبح من الصعب الحديث عن التنمية بلغة الأرقام وحدها. لأن التنمية التي تقاس بعدد المشاريع والحدائق والساحات والشوارع المؤهلة، ثم تمر بجانب أم تنام مع أطفالها فوق الرصيف دون أن تتوقف عند سؤال: أين ستنام هذه الأسرة الليلة؟ هي تنمية تحتاج إلى مراجعة معناها قبل أن تحتاج إلى مزيد من الشعارات.
أكادير تجمل، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لمن تجمل المدينة؟ هل لكي تبدو جميلة في أعين الزائر والسائح، أم لكي تكون أكثر انسانية بالنسبة الى المواطن الذي يعيش فيها؟ ما قيمة الرصيف المصقول والشارع المؤهل والواجهة الجميلة إذا كان الانسان نفسه يجد نفسه مضطرا الى تحويل ذلك الرصيف الى غرفة نوم؟
المشهد أكثر قسوة لأن الأطفال ليسوا وحدهم في الشارع؛ معهم أمهم، يفترشون الأرض في وضع لا يليق بمدينة يفترض أنها تتقدم وتتطور. أطفال كان يفترض أن يكون مكانهم سرير آمن وبيت يحميهم، لا إسفلت بارد وبطانيات متناثرة أمام محلات مغلقة. أم كان يفترض أن تنشغل بمستقبل أبنائها، لا بكيفية حمايتهم من قسوة الليل.
وهنا لا يعود السؤال سؤالا عن الرصيف أو عن التشرد فقط، بل عن معنى السياسة المحلية نفسها. ماذا يعني أن تدير مدينة بميزانيات ومشاريع وأوراش، بينما توجد داخلها أسر لا تجد مكانا يأويها؟ ماذا يعني أن نتحدث عن تحسين جودة الحياة، فيما هناك من لا يملك أبسط شروط الحياة الكريمة؟ وهل يمكن أن نسمي مدينة ناجحة إذا كانت تعرف كيف تستقبل الزوار، لكنها لا تعرف كيف تحمي أطفالها من النوم في الشارع؟
المشكلة ليست في بناء المشاريع، ولا في تأهيل المدينة، ولا في تجميل الفضاءات العامة. المشكلة حين يتحول التجميل الى واجهة تخفي خلفها واقعا اجتماعيا لا يريد أحد أن يراه. لأن المدينة ليست حجارة واسمنتا وحدائق مضاءة؛ المدينة قبل كل شيء هي الانسان. وإذا كان الانسان الأكثر هشاشة لا يجد فيها مكانا آمنا، فإن كل حديث عن الازدهار يبقى ناقصا مهما كانت الصور الرسمية جميلة.
قد تلتقط آلاف الصور للشوارع الجديدة والمشاريع الكبرى، وقد تمتلئ صفحات المسؤولين بصور التدشينات والانجازات، لكن صورة واحدة كهذه قادرة على طرح أسئلة أكثر ازعاجا من عشرات البلاغات: كيف وصلت أم بأطفالها الى النوم على الرصيف؟ أين كانت المؤسسات الاجتماعية؟ أين برامج الايواء؟ أين التدخل الاجتماعي؟ ومن يتحمل مسؤولية هؤلاء الذين يعيشون على هامش المدينة؟
أكادير لا تحتاج فقط الى مدينة أجمل، بل الى مدينة أكثر عدلا ورحمة. تحتاج الى أن يكون المواطن البسيط جزءا من التنمية، لا مجرد رقم في خطاب انتخابي. تحتاج الى أن يكون الطفل الذي ينام على الرصيف أهم من الرصيف نفسه، وأن تكون كرامة الأم أهم من جمال الواجهة التي تنام أمامها.
هذه الصورة، في النهاية، ليست مجرد صورة لأم وأطفال نائمين في الشارع. إنها صورة للتناقض الذي يمكن أن تصنعه التنمية عندما تقاس من الأعلى فقط. من الأعلى تبدو المدينة جميلة ومضيئة ومليئة بالمشاريع، لكن من الأسفل، على الرصيف، تظهر أسئلة الفقر والهشاشة والاقصاء.
ولذلك، قبل أن نسأل كم مشروعا أنجز، وكم شارعا جدد، وكم ساحة جملت، علينا أن نسأل سؤالا أبسط وأكثر انسانية: هل تستطيع هذه المدينة أن تضمن لأم وأطفالها مكانا آمنا ينامون فيه؟
إذا كانت الاجابة لا، فهناك شيء أساسي لم ينجح بعد.
لأن المدينة التي تستطيع أن تزين أرصفتها، لكنها تترك أما وأطفالها يفترشونها، لم تحل مشكلة الرصيف… بل أخفت مشكلة الانسان تحته.




